جماليـــات

إضــــــاءات

حــوارات مقـــــــالات تر جمــات دراســـات نصــوص سرديــة بطاقـة تعريـف   
للاتصـــــــال خدمــــــــات

خــــــاص

مواقع مفضلـة مواقع صديقة مكتبات الموقع كشك الموقـع موارد نصيــة

 

 
 
 

ابحث في الموقـع

 

 

 

 

 

د. محمد برادة (المغـرب)

محمد مندور من منظور نقد النقد

مقـال

 

محمد منظور من منظور نقد النقد

د. محمد برادة

 

على رغم أن كتابي " محمد مندور وتنظير النقد العربي" هو حصيلة أطروحة جامعية ناقشتها في جامعة السوربون III العام 1973، فإنني أحس اليوم أن الأمر لم يكن يتعلق بأطروحة قدر ما كان تعلَّة لطرح أسئلة وصوغ تصورات كنت أعتبرها، آنذاك، أساسية ومفصلية في سياق الانتقال من مرحلة مثاقفة إلى أخرى، وفي سياق التصادي مع فورة المناهج النقدية الحديثة التي غمرت الساحة الفكرية بفرنسا منذ بداية الستينات.

وفي الحقل النقدي العربي، خلال نفس الفترة، كان الخطاب السائد يمتح من الانطباعية ومن علموية جوستاف لانسون وسانت بوف وتين، ومن نقد نفساني مبتسر، ومحاولات نقدية متمركسة أو جدلية تاريخية وثوقية..

ولاشك أن الجامعة المصرية بتاريخها وأعلامها وانفتاحها على الأساتذة الأجانب، كانت محفلا أساسيا في مجال إضفاء المشروعية على مناهج تدريس الأدب وتقويم إبداعاته، وبلورة طرائق تدريسه ونقده. وبحكم النشأة والمثاقفة، فإن شعبة اللغة العربية وآدابها بجامعة القاهرة، اعتمدت لعدة عقود، على المنهج اللانسوني وعلى أمشاج من مناهج التاريخ الأدبي والسوسيولوجيا الوضعية التي تعتبر" أن الأثر الأدبي هو الرجل (المبدع)" فتستخرج حياته من كتاباته.

لكن ، لحسن الحظ، كان هناك نقد آخر، خارج أسوار الجامعة، يواكب الإبداعات الجديدة في الشعر والرواية والقصة والمسرح، وكان هناك شعراء وكتاب يغذون النقد استنادا إلى تجاربهم الإبداعية، وكانت هناك مجلة " أدب" لأمين الخولي، ومجلة " الآاب" البيروتية ومنابر أخرى، حملت أنفاسا مغايرة تتراواح بين الفلسفة الوجودية والسارترية والرؤية الماركسية الجذرية. من ثم، لم تبق الجامعة حصنا متفردا بإضفاء المشروعية وتحديد نقاييس النقد ومناهجه. ولعل لحظة المواجهة بين طه حسين وكل من محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس ( في الثقافة المصرية)، هي تجسيد لذلك الصراع النقدي من أجل توسيع مفهوم الأدب ومناهج التحليل والقراءة والتأويل، على ضوء ما كانت تحيل به ساحة الإبداع من أشكال ورؤى حداثية، وعلى ضوء ما كان الأدب الكوني والفكر النقدي ينتجانه من تصورات ونظريات تكسر شرنقة الموروث و تستشرف آفاقا أرحب.

وجدت، وأنا أتأمل الوضعية النقدية العربية، في الستينات، بأن هناك إرهاصات تحوُّلٍ في مفهوم الأدب، وتطلعا إلى قراءة مختلفة للإبداع المنخرط في سيرورة ملاحقة التضاريس والمنعرجات والتصدعات، مع استمرار السلطة الأكاديمية في " ضبط" المجال النقدي..

وإذا كنت قد اخترت كتابات الناقد محمد مندور، فلأنه كان يمثل حالة بارزة ، لافتة، يمكن أن تسعفني على تجلية بعض الالتباسات التي تحف مجال النقد، وتفتح في الآن نفسه، الطريق أمام استحضار المسكوت عنه ومساءلته.

وخلال الفترة التي أنجزت فيها هذا البحث ( 1970-1973)، كانت عدتي النقدية في بداية تكونها وكذلك اطلاعي على النظريات الأدبية والمناهج التحليلية الحديثة. من ثم كان هذا البحث وسيلة لتعميق صلاتي بما كانت تعج به الساحة الأدبية والنقدية في فرنسا عبر مناخ سياسي اجتماعي تدثره غلائل هبّة مايو 1967 الطلابية، وتحوطه تنظيرات رولان بارت، وجريماس، وفوكو، وليفي ستروس، وبورديو، وتودروف… وفي كل ذلك ما يزكي نقد النقد ويشجع على خلع رداء " القس" وارتداء جبة " الساحر" المفتون بما لم يتكشف بعد.

إن نقد النقد- في كل المجالات- يكتسب شرعيته وضرورته، من كون كل مجتمع يتعيش ويستهلك ويحاور مجموعة من الخطابات لا ينظمها الائتلاف بقدر ما يخترقها الاختلاف والتعارض والتصارع. وكل واحد من تلك الخطابات ينتج مفهومات ورموزا ومرجعيات إيديولوجية لا يمكن أن تعرف استقرارا نهائيا. وهذه سمة متولدة عن طبيعة الحياة وجدليتها وتجددها. وفي مجال النقد الأدبي، كان نقد النقد دوما هو المقْفز الممهد لبلورة طرائق إبداعية مستجدة وهو الضمان الحائل دون تجمد القوالب وسيادة المنوالية واجترار البلاغة المقننة.. والنقد الأدبي، كما صار معروفا اليوم، لا يقتصر على أن يكون شرحا وتفسيرا للنص، بل هو خطاب ينتج في سياق معين ويتفاعل مع سجلات معرفية ويستتثمر الخبرة الذاتية والشعورية لينتج بدوره معرفة تتوخى تنسيب الحقيقة وفتح النص على التأويلات الممكنة..

من هذا المنظور أعدت قراءة كتابات مندور النقدية والفكرية. لقد عاد مندور من رحلته الدراسية بفرنسا ( تسع سنوات) ممتلئا حماسا، مؤمنا بضرورة التجديد، متشبعا بالقيم الحضارية التي استوعبها في مجالات الأدب والفن والمعمار، وتدبير شؤون المجتمع تدبيرا ديمقراطيا. وكانت مقالاته " في الميزان الجديد" تعكس هذه الروح الوثابة، الجريئة في الطرح والنقد. وتدريجا، بدأ مندور يدرك ثقل الشروط المحيطة بإنجاز الفعل المغير، وغدا مشروطا بما أسماه بورديو" الشروط المتيحة" اي جملة العناصر والموكونات والصراعات التي تتيح للفرد داخل المجتمع أن ينجز شيئا ما، أن يكتسب وضعا اعتباريا معينا، لا حسب مشيئته أو تمنياته وإنما وفق تلك الشروط المتيحة..

من هذه الزواية يأخذ التحليل وجهة أخرى تنأى عن الإسقاط أو افتراض قوة لدُنية ملهمة تبوئ المبدع مكانة مميزة. انطلاقا من هذه الملاحظة، أعدنا النظر في خطاب مندور النقدي، بترابط مع موقعه داخل الحقل الثقافي المصري ما بين 1936 و 1952، وعبر المفهومات الأساس التي شكلت وعيه وأيضا لا وعيه الثقافي.

إن تحليلنا لكتابات مندور النقدية والفكرية والإيديولوجية وفق التسميات التي اختارها هو لمساره النقدي، لا يعني أننا نوافقه على تلك التسميات، وإنما انطلقنا منها لنكشف خلفياتها وننقض أحيانا مدلولاتها، مادامت نوايا الناقد ابعد من أن تكون هي الحكَم، ومادام التحليل السوسيولوجي و تفكيك الخطاب، هما المقياسان الأدق لأنهما سبيل إلى التنسيب وربط الخطاب بالموقع والشروط المتحكمة في صنعه وتلقيه واستهلاكه.

والواقع أن مسألة " التفاوت" المستمر بين فترة إنتاج الخطابات النقدية الأوروبية-العالمية، وفترة شروط تلقيها داخل الحقل الثقافي العربي، هي عنصر إشكالي كثيرا ما يطمس الفهم ويحرف التفسير. ذلك أن المناهج والمفاهيم والخطابات النقيدية " الأوروبية" تظل ملتصقة بمناخ ينتج المعرفة في مختلف العلوم وبخاصة العلوم الإنسانية التي تمد النقد الأدبي بمقولات ومفهومات إجرائية.. بينما نفتقد نحن هذا الإسهام في إنتاج المعرفة العلمية، وغالبا ما نتعيش على الافتراض والاقتباس والترجمة، في غياب استحضار دقيق لسياق إنتاج تلك المعرفة وتجلياتها التطبيقة.

يكون من الطبيعي، إذن، أن تظل اجتهادات نقادنا، على رغم ما قد تتميز به من جهد وابتداع، مفتقدة للالتحام والإجرائية المضيئة للنصوص العربية بطريقة ملائمة. وأكثر ما ينطبق ذلك على النقد العربي المنتج قبل الثمانينات، أي قبل أن تتوطد وسائط المعرفة وسرعتها، وقبل أن يهتم عدد من الباحثين والنقاد العرب باستيعاب وتمثل النظريات والمناهج حين ظهورها، ومن منطلق تنسيبي..

بالنسبة لمحمد مندور، فإن ما تزود به خلال إقامته في فرنسا، كان متصلا بمستوى الإنتاج المعرف

ي خلال ثلاثينات القرن الماضي، ولم يتمكن، بعد عودته إلى مصر، من متابعة ما جد من نظريات ومناهج وطرائق تحليل النص الأدبي وتأويله، خاصة منذ الخمسينات للقرن العشرين. فضلا عن ذلك، فإن الأزمة الساسية خلال الأربعينات، قادته إلى حومة الفعل السياسي والنضال الاجتماعي، فكنت سلسلة مقالات فكرية، إيديولوجية متميزة كان لها تأثير واسع، بينما ظل- في مجال النقد الأدبي- يتعيش على ما تبقى في زوّادته اللآنسونية من منهج " شرح النصوص" والاتكاء على التعريفات المدرسية وبوصفها مقاييس تسند الحكم النقدي أو تبرر الانطباعات وحدوس الذوق.

وبطيعة الحال ، مثل هذه الاستخلاصات التي انتهيت إليها في دراستي عن " مندور وتنظير النقد العربي" لا تلغي إشعاع كتابات مندور ضمن سياقها وأوانها، ولا تنكر إسهامها في تقليب التربة النقدية وإعدادها لمرحلة تالية. إلا أن تناول إنتاجه من منظور" نقد النقد" هو ممارسة ضرورية للتخلص من رواسب التعميم، والتقديس، والتقدير الأعمى. وهذا ما بدأ يتحقق لا حقا في مجال النقد العربي الحديث منذ سبعينات القرن الماضي، حيث أخذ النقد والنقاد منحى آخر يتصادى مع أسئلة معرفية وثقافية متصلة بلحظة جديدة من المثاقفة وإعادة النظر في الموروث. فعلا، فإن انفتاح جامعاتنا وباحثينا على المناهج البنيوية والألسنية والسيميائية والتحليل النفسي وسوسيولوجيا الأدب ونظريات الهيرمينوطيقا التأويلية و" علم" السرديات..، قد حرر النص الأدبي العربي من أحادية القراءة ومن اختزاية شرح النص وترجمة دلالاته إلى مقولات وأفكار سابقة عنه في الوجود. وهذا لا يعني أن هذه المناهج الجديدة قد حلت المعضلات، وحققت " علمية" النقد التي كانت تراود النقاد منذ القرن التاسع عشر، لأن طبيعة النص الأدبي المتعددة الانتماءات والسجلات واللغات، تتأبى عن حبسه داخل قمقم النقد المقنن، الصارم في مقاييسه وأحكامه. من هنا، يكتسب نقد النقد شرعيته المتجددة لأنه هو السبيل إلى إعادة النظر في ما ينجز من خطابات تؤطر المجتمع وتصوغ أسئلته وإجاباته المؤقتة.

لقد مضى أكثر من ثلاثين سنة على كتابة هذه المحاولة النقدية انطلاقا من "حالة" محمد مندور. ولو قدر لي أن أعيد كتابتها اليوم لربما احتلفت عما هي عليه الآن؛ لكنني ما أزال مقتنعا بمنهجها الذي استمد الكثير من سوسيولوجيا الأدب عند لوسيان جولدمان وبيير بورديو بالأخص، اقتناعا مني باحتياجنا إلى هذا النوع من النقد لنتخلص من النظرة التقديسية ومن الأحكام الانطباعية التعميمية، ومن مفهوم الأدب " الأثيري" الطافي فوق شروط إنتاجه. وكنت آمل أن يتابع باحثون مصريون تعميق مجال دراسة الحقل الأدبي والثقافي بمصر، لكنني لم أقرأ سوى أطروحة الصديق ريشار جاكمون بعنوان " بين كتبة وكتاب: الحقل الأدبي في مصر المعاصرة"، ترجمة بشير السباعي دار المستقبل العربي، 2004. وأرجو أن يحث هذا التحليل المتميز باحثين مصريين على استكشاف تعقيدات الحقل الأدبي بمصر حتى يتاح للإجيال الجديدة أن تعيد قراءة الإبداعات قراءة مغايرة تدمجها في أسئلة الحاضر والمستقبل.

ولا أظن أن كلمات شكر ستفي بامتناني للمجلس الأعلى ولأمنية سي جابر الصديق العزيز، على إعادة نشر دراستي بمناسبة مرور أربعين سنة على رحيل محمد مندور: أملي أن يجد الشباب المصري القارئ في هذا الكتاب توكيدا لاعترافي بما منحتني إياه مصر من معرفة وصداقة جميلة.

محمد برادة القاهرة 12-6-2005

 

 
 

أرشيـف الموقـع

 

 

د. محمد برادة

 

 

 

 

جماليـــات

إضــــــاءات

حــوارات مقـــــــالات تر جمــات دراســـات نصــوص سرديــة بطاقـة تعريـف   
للاتصـــــــال خدمــــــــات

خــــــاص

مواقع مفضلـة مواقع صديقة مكتبات الموقع كشك الموقـع موارد نصيــة

 

موقـع محمد أسليـــم - تاريخ الإنشاء: 27 ينايـر 2002.