الرغبة في التعبير من خلال شكل فني
أو أدبي هي رغبة في الاستمرار في الحياة رغم الحدود والأسيجة الموضوعة أمام
الإنسان، أي رغم سقف الموت، وحتمية الزوال ومحدودية الطاقة البشرية في
استيعاب تجليات الواقع وتعقيدات العالم...
والتعبير بالكتابة هو محاولة
ضمنية للتعالي على تلك الشروط التي تشدنا إلى مستوى اليومي المعاد والتطلع
إلى أفق أرحب يعطي دلالة لتجربتنا في الحياة. لكن الكتابة إلى جانب ذلك هي
قبل كل شيء، ممارسة تسعفنا على متابعة رحلة العيش مستأنسين بتلك المتعة
التي يتوفر الإبداع الفني وحده على أسرارها.
من هذا المنظور، تغدو
الكتابة جزءا من مغامرة العيش والوجود، كما تصبح أحد الشروط الملازمة لنشوء
الوعي وتبلوره عندما يخوض الفرد صراعه الأبدي ضد القوى الخارجة عنه، وعندما
يجري وراء المستحيل في تجلياته المغرية الجذابة، وعندما يجابه اليأس
والجنون ومآزق العبث و اللايقين...
إن الكتابة، مهما حركتها تناقضات
الواقع، وتحولات المجتمع والقيم، فإنها تظل ـ في ما يخيل إلي- مشدودة
بالدرجة الأولى إلى ذلك اللاتطابق بين التاريخ الشخصي و العائلي بالمعنى
الفرويدي، وبين التاريخ العام الذي يعطي للزمن البشري دلالاته ومقاييسه. إن
هذا التعارض العميق بين هذين التاريخين هو بمثابة تعارض السريرة مع العالم
الخارجي تعارضا يطاول اللغة والإحساس و الرغائب والأحلام.
وقد لا تكون
الكتابة، من هذا المنظور، سوى السعي إلى ابتداع لغة وأفكار ورؤى ترمم ذلك
الشرخ الكبير المتولد في نفوسنا جراء اللاتطابق بين غائية التاريخ العام و
التاريخ الذاتي، جراء ذلك الاستلاب الذي تراكمه الطفرات التقانية و
العمرانية المستدعية لآليات الرقابة الشاملة للمجتمعات الحديثة. فكأن
الكتابة المناصرة للذات المقموعة، المستلبة، توسع فسحة الحياة عندما تشيد
عوالم ممكنة مغايرة لما هو قائم بشكل منته وخانق.
وأحسب أن كتابتي
للرواية تمثل عندي لجوءا إلى الحرية المفتقدة في الحياة اليومية المكرورة
وفي العلائق مع الآخرين. توطدت علاقتي بالرواية، عندما تبينت أنها تتيح
تذويت الخطاب وتخصيص اللغة والرؤية واستيعاب ما أعيشه متفرقا، متناثرا،
خاضعا لتقديرات الآخرين ولغتهم. قد يكون هذا مجرد توهم، إلا أن المسار الذي
مررت به: بين مرحلتين تاريخيتين أساسيتين في تاريخ مجتمعي، وبين ثقافتين
متباينتين، دفعني إلى البحث عن متنفس يسمح لي بأن أتخيل أن الأمور كان من
الممكن أن تكون على غير ما هي عليه، وأن ما يبدو بمثابة قدر صارم ينهي
الجدلية ويطبق على الأنفاس، إنما هو " صدفة " من صدف التاريخ الذي تصنعه
عوامل قوى ملموسة وأخرى لامرئية، لكنه قابل لأن يتغير.
وأظن أن وهم
التغيير هذا، هو ما رسخ علاقتي بالكتابة رغم أنني لم أستجب لها بانتظام،
وكثيرا ما انجرفت مع وهم التغيير من خلال ما نسميه الفعل المباشر، أو
النضال أو الجهر بالانتقاد من خلال قوى سياسية منظمة…
ولعلني لا أبتعد
عن الحقيقة كثيرا إذا قلت بأن تبيني لمحدودية الفعل المباشر ولمتاهاته
ومشكلاته البشرية و التنظيمية، هو ما قوى لدي ضرورة اللجوء إلى حرية
الكتابة، لأعيد النظر في ما عشته وجربته، ولأنظر إليه من مسافة تتيح
المكاشفة والبوح والاعتراف والسخرية وتقييم الأشياء تقييما
تنسيبيا...
إن تجربة الكتابة بمجموع مكوناتها ولحظاتها (القراءة،
الإبداع، التأمل، النظري، المقارنة...) تكتسب مبرراتها، بل ضرورتها، حينما
يبدأ الكاتب يقيم علائق مباشرة مع سحر التخييل ومسالكه، وحينما يعي تميز
هذا المجال الموجود على تخوم الواقع و الوهم بين منحدرات المعيش و المحلوم
به... عندئذ ومنذ تلك اللحظة يصبح التخييل موضوعا للتفكير والملاحظة وأيضا
أفقا لتحديد علاقة بالحياة والوجود، أي أن الكاتب يقتنع بأن التعبير من
خلال التخييل يمكن أن يكون وسيلة لفهم العالم ووسيلة لأن نوجد داخله ونحاول
تغييره.
صحيح أن الكتابة من خلال التخييل لا تغني عن التواجد الفعلي
داخل المجتمع و التفاعل مع مشكلاته السياسية والاجتماعية، فهذا بعد بشري
يشرط وجود الإنسان لكن اختيار الكتابة كمهنة محتملة أو وسيلة للتعالي على
الظرفي والاقتراب من ما هو وجودي، يفرض علاقة أخرى مع الكتابة و التخييل
اللذين لا يمكن في عصرنا، ومنذ القرن 18 أن تكون علاقة تلقائية تعتمد
الممارسة بدون تساؤلات حول الغائية و الماهية وأشكال التحقق الجمالي.
في
هذا المستوى، ومن خلال استعادة تجربتي ضمن شروط سوسيو ثقافية وتاريخية،
ألاحظ أن علاقتي بالكتابة عرفت لحظات متمايزة و متداخلة هي بمثابة خلفية
للوعي الظاهر إلى جانب عناصر أخرى قد تظل كامنة في اللاوعي:
1 ـ السياق
المتسم بعدة سمات (ما قبل الاستقلال وما بعده، الفكر الوطني و الفكر
الاشتراكي، آفاق الثورة الطوبوية، فضاءات فاس، الرباط، القاهرة باريس،
معضلة الهوية في خضم الصيرورة...)
2 ـ خوض تجربة الكتابة لحسابي الخاص،
للخروج من مرحلة التأثر واقتباس الأشكال الجاهزة إلى مرحلة البحث عن الشكل
الملائم، وإلى مساءلة الذاكرة الجماعية والخاصة، وملاحقة " ذواتي "
المتعددة عبر تذويت الكتابة وإعادة النظر في العلائق البينذاتية...
3 ـ
الأخذ بعين الاعتبارلمملكة التخييل و الكتابة وتماسها مع " جمهورية الأدب
الكونية " لأننا مهما ارتبطنا بالأبعاد المحلية ذات الخصوصية، فإن الكتابة
تقودنا إلى مستوى أبعد، يطمح إلى أن يعانق الإنساني المشترك وذلك من خلال
ما يشير إليه الفيلسوف دولوز من ضرورة " ضمان ضياع الهوية الشخصية وتذويب
الأنا " لنقترب من الأدب الحق....
إن الانفتاح الذي لا مناص منه،على
الآداب العالمية وعلى المنجزات النصية و الجمالية يذوب في الآن نفسه،
الأسئلة المغلوطة عن الشكل الخاص بالانتماء الإثني أو الديني (رواية عربية،
نقد عربي، رواية إسلامية...) بدلا من هذا الطرح المغلوط يتبلور الاقتناع
بأن الإبداعات الفكرية و الأدبية و النقدية هي مجال مشترك بين جميع
الثقافات، داخله تتنامى وتتفاعل في محاولة الاقتراب من هواجس وأسئلة
ومعضلات تقض مضجع الإنسان منذ وطئت قدماه تربة الأرض وتذوقت معدته حلاوة
التفاحة المحرمة.
ومن هذا المنظور، فإن المعضلة المشتركة التي يواجهها
المبدعون و النقاد، هي تلك التي تتصل بتقييم الرواية وتمييز أشكالها
وتركيباتها الفنية على امتداد قرون وقرون، ومن خلال تراث يستوحي الشفوي و
المكتوب، الأسطوري، والواقعي، السير ذاتي و الوثائقي، وبتعبير آخر، تطالعنا
معضلة حكم القيمة والتساؤل عن الخصائص التي تقنعنا بأن الرواية تتحول نحو
الأفضل أو نحوالشكل الأجود والأكثر ملاء مة للتبدلات التي تعرفها المجتمعات
البشرية باستمرار.
إنني أرى أن هناك تحولات واتجاهات روائية يمكن أن
تقاس من خلال مكونات نصية عديدة: اللغة، الحبكة، التيمات، الشخوص، الرؤية
للعالم... ولكن عمق المشكل يتمثل في النفاذ إلى الكيمياء التي تصهر رواية
ما، وتعطيها وجودها الإبداعي القادر على التأثير وتخليق الإنفعالات خارج
سياق كتابة النص، أي تلك العناصر التي تربط بخيط سحري بين روايات متباعدة
في الزمان و المكان والإنتماء إلى الثقافات، بل وداخل نفس الثقافة. فمثلا
في النصوص المكتوبة بالعربية، ما الذي يجمع في تقييمنا وإعجابنا بروايات
مثل: يوميات نائب في الأرياف لتوفيق الحكيم، و قنديل أم هاشم ليحي حقيس،
وأنت منذ اليوم لتيسير سبول، وموسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح، و المرأة
والوردة لمحمد زفزاف، والوباء لهاني الراهب، و الشحاذ لنجيب محفوظ، وسلطانة
لغالب هلسا ؟...
إن تاريخ الرواية وتاريخ المجادلات حول نموذجها الأجود
أو الطريقة الفضلى لكتاباتها، لا يسعفنا على الإهتداء إلى مقياس لضبط
التحولات وافتراض مسار تصاعدي للتطور الروائي. وانطلاقا من هذه المعاينة،
فإنني أميل، في تقييمي للرواية، إلى المزاوجة بين الفرادة و التنوع:
ـ
مراعاة مقياس الفرادة في قراءة سجل الرواية العربية، أي النصوص التي تتفرد
بسمات تؤشر على تضاريس معينة في الفترة التاريخية أو الاجتماعية وتتميز من
حيث التعبير الفني بما يلائم تلك التضاريس. وهذا يحررني من قراءة الرواية
عبر الروائيين، أي أنني لا أهتم بالخصائص المحددة ل " مشروع " الكاتب
الروائي، بقدر ما أهتم بالنص في حد ذاته، وبما يتوفر عليه من خصائص
وتفرد.
ـ ثم القبول بالتنوع في الشكل و التيمات وطرائق التعبير، لأن
تحقق تلك الكيمياء الإبداعية التي نستشعرها بالتذوق و الحدس، لها تجليات
متعددة سواء استوحت ما يصنفه النقاد ضمن الإتجاه الواقعي أو اللاواقعي، أو
الفانتاستيكي، أو غير ذلك من التصنيفات و الخانات النقدية.
عن علاقتي
بالرواية:
يخيل إلي أن مغامرتي في كتابة
الرواية يكمن وراءها عامل أساسي لم يكن واضحا منذ البدء،وهو الإفلات من
الواقع، ولا أقول الهروب منه. فكما هو معلوم لا تستطيع الكتابة أن تكون، ما
لم يكن هناك واقع ما، ولكن افتراض وجود الواقع لا يعني مطلقا استنساخه أو
إعادة إنتاجه، لأن الكتابة بمكوناتها اللغوية و الرمزية والنفسية تنتج
حتما، نصا مختلفا عن ما درجنا على تسميته بالواقع وخاصة في مجال
التخييل.
لكن ذلك لا يمنع إمكانية إعادة قراءة الواقع على ضوء بعض ما
يحتويه النص التخييلي. و الواقع الذي أنشد الإفلات منه بكتابة الرواية، هو
ما يحيل على مجموع الشروط المادية و النفسية و التاريخية التي نوجد فيها
بدون أن يكون لنا نصيب كبير في اختيارها. بهذا المفهوم، يبدو الواقع مغلقا،
محدودا، ونحن داخله بمثاية مصائر منتهية تمضي لمستقر لها. بهذا المفهوم،
يبدو الواقع مغلقا، محدودا، ونحن داخله بمثابة مصائر منتهية تمضي لمستقر
لها. من ثم، فإن التخييل الذي تقودنا إليه الرواية، حتى عندما يتعلق الأمر
باستيحاء الذات وسيرتها (سيرها )، هو تلك الكوة المفاجئة التي ما تنفك تتسع
لتجعلنا نطل على أشياء أخرى لم نكن نراها رغم أننا نحاذيها صباح مساء، ولا
تشبه ما ألفناه من وجوه وكلام وفضاءات لأننا لم نتوسل بلغة غير لغة
التواصل، ولم نمزج النظرة بالسخرية و الباروديا، ولم ندثر لمشاهد و
الفضاءات بغلائل الحلم و مخزونات الذاكرة. إن الإفلات عبر الكتابة و
التخييل من الواقع الصارم، الجاثم بثقله وكلحه، هو ما يفتح أمامنا بوابة
المتخيل المفضية إلى شساعة اللغة، وبراري الرموز، وفتنة العوالم
الممكنة..
وأظن أن رحابة المتخيل المسعفة على تحمل الواقع أو مناهضته،
هي من رحابة الأمل. وفي رحاب المتخيل ومسالك الإبداع تلتقي جهود الكتاب
السابقين بعطاءات اللاحقين.
هل يمكن لأحد الزعم بأنه يكتب من فراغ ؟ نحن
مشروطون بكتابات من سبقونا في الوطن وخارجه، ولا مناص لنا من أن نلتقي تلك
الروائع التي تقول لنا بأن كل شيء قد قيل، وبأن كل الأشكال قد جربت، ومع
ذلك نصر على أن نرتاد مجال التخييل و نغامر في متاهات الكتابة، يهدهدنا حلم
مخاتل بأن نضيف إلى ذخيرة السابقين ربع نغمة تغني الإيقاع، أو بضع كلمات
تستعيد حيزا من ذلك اللايوصف، اللايسمى، الذي طالما هزم الشعراء و
الروائيين.
لا أخفي أن هذه التساؤلات و الهموم شغلتني، إلا أنني كنت
أدرك أن علي قبل كل شيء، أن أعيش تجربة الكتابة لحسابي الخاص، أي من موقعي
وشروطي قبل أن أطمح إلى أفق أعمق و أرحب.
ومن ثم كانت النقطة المحورية
هي التوسل بالكتابة و التخييل لفهم الذات و علائقها بالمجتمع والآخر، وتبين
أسئلة الكينونة وتماسها مع غائية الحياة. أشياء كثيرة نعيشها بتلقائية،
لكننا عندما نمررها بالكتابة تكتسي طابعا أكثر تعقيدا وتكشف عنه جوانب
مقلقة مستعصية على الحل. ولأن الكتابة لا تستقيم، لا تكتمل شروطها بدون
تحريرها من المواضعات و الأجوبة الجاهزة، فإنها تصبح مواجهة مستمرة مع
المجهول الذي يحف الحقيقة باستمرار.
وأعتقد أن الذين عاشوا تجربة
الكتابة من هذا المنظور، يدركون جيدا أن نجاحهم لا يتمثل في الوصول إلى
غاية يحددونها مسبقا، وإنما هو يتمثل في أن يستمروا في الكتابة ومواصلة
المغامرة.
وعندما أعود بذاكرتي إلى بداية الستينات، تلك اللحظة التي
أعقبت الاستقلال وشهدت فورة التبشير بأدب مغربي جديد يواكب طموحات التطلع
إلى تشييد مجتمع المساواة و العدالة وتحرير المواطنين من قيود الاستغلال و
السخرة، أدرك امتداد المسافة التي قطعناها على طريق الأدب و كتابات التخييل
في فترة لا تتعدى نصف قرن. إنها رحلة انجلاء الأوهام بالمعنى العميق: تجاه
مجتمعنا وتجاه الكتابة.
فمجتمعنا الذي كنا نؤمثله ونؤمثل تاريخه، سرعان
ما استعاد وجوده التاريخي الخاضع لقوانين وشروط و تراكمات تتحكم في مسارات
التحول و التطور، وتفتح الطريق واسعا أمام الصراعات وأسئلة التغيير في ظل
الاستقلال وحمولات الماضي الإقطاعي و الاستعماري. وأدبنا الحديث الذي خلق
بترابط مع التغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية و العمرانية التي رافقت
الوجود الاستعماري، وأيضا بتصاعد مع الحركة الوطنية وخطاباتها التعبوية
المقاومة، سرعان ما تبين أن الكتابة، لكي تكون مبررة ومشروعة، تحتاج إلى
استقلالية تجنبها الاستنساخ والتبشيرو السقف المسبق المقيد لإنطلاقة الذات
الكاتبة و جرأتها الاستكشافية..
شخصيا، آخذ على العاتق ما أفرزته تلك
المرحلة من تصورات و أوهام وتطلعات ثورية، لأنها منحدرة من تاريخ عشناه في
تسارع داخل فترة تضج بالمذاهب الإيديولوجية و الخطابات الطوبوية
العالمثالثية. لا يستطيع الكاتب أن يولد متوفرا على وعي ملائم لما يجب أن
يكون عليه منذ أن يبدأ مساره الإبداعي. التاريخ أقوى وأكثر مكرا ويقتضي
جهدا وتجربة لاكتساب قدرة التمييز ومواجهة إغراءات الإيديولوجيا
وحبائلها.
وعلي أن أقول، مستحضرا تجربتي بالجامعة المغربية طوال ما يقرب
من أربعين سنة، بأن كليات الآداب أسهمت بحظ وافر في تغيير طرائق التلقي
ومناهج تحليل النصوص وتأويلها، مساهمة بذلك في بلورة مفهوم للأدب له قرابة
وطيدة بالتصور الذي يعتبر الأدب، لامجرد وصفة بلاغية تلقن أساليب إعادة
إنتاج خطابات كرسها الماضي، وإنما بوصفه إبداعا يستكشف المخبوء ويستنطق
اللاوعي ويحرر اللغة من وثنية الأنموذج ويستدرج العبارة لملاحقة خلسات
الكرى ونزوات الاستيهام. ومن هذا المنظور، بدأ الأدب يستعيد وضعه الاعتباري
في إنتاج وقراءة خطاب يختلف عن بقية خطابات ثقافتنا، يتفاعل معها، يضيئها و
يستضيء بمفاهيمها ومناهجها.
أقول هذا وأنا أتذكر ما عانيته وعاناه
الزملاء، وما نزال، ونحن نبرر أهمية تدريس الأدب وندافع عن منتجيه داخل
مجتمعنا المشغول، عن حق، بالهموم المادية و التقنية التي تؤمن له توازنا
اقتصاديا يبعد عنه شبح الفقر و العوز و البطالة.
أشعر أننا نحن الذين
أدركتهم حرفة الأدب، مطالبون دوما بالدفاع عن الأدب ليس فقط لأنه مصدر
رزقنا، ولكن باعتباره مصدرا أساسيا في ذخيرة رموزيتنا الكاشفة لنسق القيم
والمشاعر و الرموز المكونة لثقافتنا، و المؤثرة في تشكيل متخيلنا
الاجتماعي. ورغم إقراري بصعوبة هذا الدفاع، فإنه يقتضي أن ينجز بطريقة
منتظمة ومتجددة، تدخل في الاعتبار تحولات المجتمع وأسئلته وتحولات المفاهيم
و التصورات التي تبلورها المثاقفة وتسندها تحولات عميقة حضارية وفلسفية
وحياتية.
ويخيل إلي، وأنا أتأمل بعض الإنتاجات الروائية وإنجازاتها
الشكلية و الثيماتية، أننا لا نستطيع أن نطلب من الرواية أن تكون إيجابية
أو متفائلة أو مسعفة على تمجيد قيم تتدثر بالمطلق وتحتمي بالمثل العليا
المجردة....
في انفتاحها على الحياة المليئة بالتناقضات، الضاجة بمشاهد
العنف و الكراهية و الصراع الأبدي بين الفرد ومؤسسات المجتمع، لا يمكن
للرواية أن تنتقي العابر من المسرات و المواقف الإيجابية، لأن زمنية الفعل،
داخل النص كما في الواقع، ممتدة متشابكة لا تقبل التجزيء، ومهما تنصل
الروائي من التاريخ و الذاكرة، فإن صورة الإنسان المهزوم جراء الحروب
وحركات النازية و الفاشستية والاستعمار و العبودية والاستغلال والتسخير
الكلي للمواطنين من أجل أوتبيات تكشفت عن سراب، تظل ماثلة في مخيلته تذكره
بأن الرؤية الرومانسية قد دفنت وأن ابتعاث الأمل إنما يمر قبل كل شيء عبر
الرؤية النقدية التي تسعى إلى الاقتراب من الذات باستيحاء الحالات القصوى
التي تنأى عن المواربة وأقنعة التجميل. وهذا هو ما يميز الرواية اليوم، عن
خطابات التبشير و الوعظ و الأدلجة الجاهزة.
وأعتقد أن الروائيين الذين
يصدرون اليوم عن هذه الرؤية، يجدون أنفسهم أمام مهمة ضمنية تشخصها نصوصهم،
وهي تشيد مجال لمقاومة تفاهة أنماط الحياة التي تفرزها مجتمعات الاستهلاك
وعولمة السلوكات بل وعولمة الأحلام والعواطف والاستيهامات.
الرواية،
بهذا المعنى، شكل متميز وخطاب مغاير، يؤشر من داخل جذريته ونقديته، على
إمكانات لمقاومة اللغة المسكوكة المحملة بمفاهيم ماضوية، وتغيير اللغة
الأحادية الطامسة لتعدد الأصوات و الأفكار و اللغات.
من هذه المواجهة
المتجددة بين نص الرواية وبين العالم الممعن في تبدلاته اللاإنسانية
وطموحاته التقانية الآسرة، يتولد أفق مختلف يراهن عليه الكثير من الروائيين
وهو أن يرسموا ملامح متفرقة لعالم ممكن أقل عنفا وأقل احتقارا للإنسان. وفي
مثل هذه المغامرة الاستكشافية، لا يمكن الفصل بين الذاتي و الجماعي، بين
اليومي و الميتافيزيقي، بين العابر و المستوطن لشغاف القلب... و الروائي
الراكض وراء هذه المجاهيل يدرك جيدا أن نجاحه يتمثل أساسا في استمرار
الكتابة و التخييل ومقاومة اللغة والأفكار المحنطة، أما النتائج فهي دائما
نسبية ولا تتبلورإلا من خلال مشاركة القارئ ومحاورته لما يقرأ.
ولدي
قناعة الآن، بأن كتابة الرواية يجب أن تتميز عن النماذج الكلاسيكية وحتى عن
تلك التي اعتمدت الحوار الداخلي وذلك بتوظيف حوارية مختلفة لا يكون الحوار
فيها خطابا مفصلا على مقاس كل شخصية لإبراز سمات وطبائع وأفكار، وإنما هو
تعبير عن تلك الحركات الداخلية التي تحدثت عنها نتالي ساروت، و التي تكون
الشخوص حاملة لها، ضمن انفعالات وتحولات تحدث في الأعماق وتسعى إلى التعبير
عن نفسها عبر نتف من الكلمات و العبارات و الحوارات الثانوية المضغوطة داخل
الكلام الجاهز. بهذا المعنى، لا تكون حوارية الرواية مجرد اختيار فكري أو
مقتضى من مقتضيات التركيب الفني، بل هي أيضا، وأساسا، تشكيل وإحساس بأهمية
اللغة ودورها في توظيف الكلام و الأحاديث و العبارات توخيا لتشخيص واستحضار
علاقتنا، داخل المعيش وعبره، مع تجربة المراوحة بين الكائن و الكينونة، بين
الحميمي الشفاف و المشاع المغمور بلغة الكلام وما تتيحه من ارتداء
للأقنعة....
من هذه الزاوية، لا يكون الحوار مجرد توزيع للكلام على شخوص
متمايزة في الطبائع و السلوكات و الأفكار، ولا مجرد علامة تؤشر على
اختلافها، وإنما يغدو لبنة مركزية في حوارية تؤثر على بنية الرواية
ومفهومها، أي أن الحوارية بوصفها محاولة استكشاف للحركات الداخلية أو
السرية التي تتخلق وتتصارع بأعماق الشخوص، وبوصفها أسئلة وجودية، كما حددها
باختين، تحمل الشيء ونقيضه، الواحد والمتعدد، تكون هي امتدادا لتلك
الانقسامات والانشطارات القائمة في المجتمع بين الذين يريدون تأييد أحادية
اللغة و المرجعية و المعتقدات، وبين الذين يعملون على توفير شروط إسماع
الأصوات المخالفة والأفكار المقموعة.
وفي هذا المستوى، نقترب من مسألة
وظيفة الرواية ووضعها الاعتباري داخل الثقافة، إنني من الذين يزاوجون بين
وظيفتها الإمتاعية وحمولتها المنطوية على إمكانات تسهم في فهم بعض إواليات
المجتمع ومواقف الأفراد الحياتية.
ويرتبط جانب الإمتاع في الرواية، كما
هو معروف، بأبعادها التخييلية و السردية التي تضفي عليها طابع الخلق و
الابتكار، وتشييد عوالم مغايرة لما هو مألوف ومكرور عند الناس. وإذا كانت
الدراسات و التحليلات النقدية لم تستطع بعد، أن تحسم في العناصر المحددة
لجوهر التخييل ومكوناته، نتيجة اتساع وتعدد التحققات النصية التي ما انفكت
تبتدع تخييلات بألوان الطيف، فإن متعة التخييل تكتسب دلالتها من خلال قدرة
النص على وضع مسافة بين ما نعيشه في حالة تعود وألفة، وبين ما يبدو مخالفا
بغرابته واحتمالات تحوله إلى عالم ممكن يكشف جوانب ظلت محتجبة عن بصرنا رغم
انتمائها إلى ما يحيط بنا وإلى ما يعتمل في النفوس ويستقر في
الذاكرة.
هذه المتعة التخييلية هي التي جعلت البعض يرى أن ميزة الرواية
تتمثل في قدرتها على أن تقول أشياء جدية بدون أن تطلب منا اتخاذ سمت الجدية
و الانتباه الذي يشترطه العلماء في التعامل مع أبحاثهم. وهذه الخاصة هي
بمثاية الجسر الذي يربط الرواية بأبعادها المعرفية والاجتماعية حتى وإن لم
يقصد الروائي ذلك. حتى عندما يضيق الروائي بالمعنى و الدلالة وقعقعة
الأفكار و القيم، ويكتب نصا منغلقا على ذاته، مستسلما لهذيانه أولشكاته من
قصور اللغة وخوائها، فإن روايته لا تنفك عن أن تكون أداة معرفة لأنها تقدم
صورة من صور الخيبات و الحبوطات التي يمر بها الإنسان الحديث في سياقات
متباينة. لذلك لا أعتقد أن هناك نصوصا مجانية لا تنطوي على دلالات لها
امتداد في ما هو قائم خارج النص، رغم القصدية التي يعلن عنها بعض الروائيين
مبرئين كتاباتهم من الدلالة و المعنى. ولعل نموذج صمويل بكيت كفيل بتوضيح
هذه الفكرة. فهذا المبدع الذي وضع مسافة كبيرة تفصله عن راهنية الأحداث و
الوقائع وعن الأفكار و الهموم الرائجة، استطاعت نصوصه أن تنبهنا إلى تلك
الهوة التي انحفرت بين الإنسان و الحضارة، بينه وبين المجتمع و إوالياته،
لأن الذات الفاعلة تلاشت وسط تراكم الأنساق المبرمجة لنشاطات الإنسان
وسلوكاته، فشلت إرادته وأصبح مسمارا في جهاز كبير تديره عقول خفية تمتلك
التقانة والإلكترونيات وسلطة القرار. ومن ثم فإن شخوص بيكيت التي تحس
بالبون الشاسع بين اللغة و الأشياء، بين الكامات و المعيش، هي تشخيص غير
مألوف لذلك الاستيلاب الذي يحول الفرد إلى مجرد روبو ينتظر الأوامر التي
تأتي من أعلى أو قد لا تأتي، إلا أنه مضطر في جميع الحالات إلى أن يتحمل
العواقب، على هذا النحو، تكون أعمال بيكيت رغم حيادها الظاهر وخلوها من
الأفكار و المواقف الواضحة، معبرة عن دلالة تبرز من خلال اقتصاد اللغة ومن
خلال التشكيل وعبر سياق الفضاءات التجريدية التي تضاهي تجريدية الوجود
البشري في عصر البرمجة التكنولوجية.
إنني لا أميل إلى افتراض مشروع
روائي يوجه خطواتي رغم أنني لا أزعم البراءة أو الكتابة من فراغ. وذلك لأن
الرواية تقترن لدي بممارسة لحرية مزدوجة: حريتي وحرية القارئ.
فأنا ألجأ
إليها للإفلات من قبضة الواقع الذي يبدو جاثما جثوما نهائيا، أحاول من
خلالها أن أعيد صوغ العلائق والاحتمالات سعيا وراء المتعة والفهم، والقارئ
يتلقى ما أكتبه انطلاقا من ثقافته وخبرته ومخيلته ليعيد تأويلها وفق أسئلة
خاصة. ومهما تكن النوايا التي أتوفر عليها عند البدء في الكتابة، فإن
التحقق النصي غالبا ما يفضي إلى أشياء مغايرة لتلك التي توهمت أنني سأنجزها
بعد الانتهاء من كتابة الرواية. لذلك أوثر أن أستعمل تعبير حياة النص
للتعبير عن تلك التجربة المعقدة التي أعيشها قبل كتابة الرواية وبعدها. فما
أكتبه سرعان ما يتملك حياته المستقلة لأنه لا يتخلق فقط من قصدية أخطط
معالمها، بل إنه يمتح من اللاوعي ومن النصوص المقروءة ومن الذاكرة النساءة
ومن الاستيهامات والنزوات اللعبية. وفضلا عن ذلك، فإن الكثير من الأفكار و
الموضوعات تتسلل إلى المخيلة والذهن أثناء الكتابة بدون أن أكون قد حصرتها
مسبقا. وحياة النص الذي أكتبه تتحول كثيرا عندما تلتقي بالقراء وبطرائقهم
في القراءة و التفاعل مع النص. وأظن أن شكل الرواية أيضا وإمكانياتها في
التقاط ما هو قيد التشكيل والتخلق، هوما يحدو بي إلى استبعاد القول بوجود
مشروع روائي يقصد الكاتب بلورته.
إنني أوثر أن ننظر إلى النص الروائي في
انفتاحه ومفارقاته وتناقضاته ونسبيته التي تجعله ملتصقا بجدلية لا تنتهي
إلا لتبدأ.
وهذه الإمكانات التي يتيحها شكل الرواية القابل لامتصاص
الخطابات والأشكال التعبيرية الأخرى، والملتصق بسحر التخييل وجاذبيته، هو
ما يدفعني إلى اعتبار الرواية شكلا تعبيريا كونيا لا يحتاج إلى أن نسجنه في
نسق ضيق يلحقه بجنسية كل ثقافة على حدة. ومن ثم لا داعي لأن نضيع الوقت في
السؤال المغلوط عن مكونات الرواية المغربية أو العربية، لأن الأهم هو أن
الرواية شكل تعبيري يتوسل به كتاب ينتمون لثقافات متباينة ليعبروا عن رؤيات
ومشاعر إنسانية تستمد من الخاص ومن العام لتنسج النص التخييلي القادر على
أن يتحرر من كل القيود المصطنعة.
ومن هذا المنظور فأنا لا أكتب لكي أكون
روائيا مغربيا، لأن الكتابة ليست شهادة للحالة المدنية أو لاكتساب الجنسية.
أنا مغربي قبل أن أمارس الكتابة لأنني أنتمي إلى مجتمعي بالذاكرة و
بالثقافة وبصيغ الحياة وأسئلة المجتمع. ولكنني عندما أكتب أطمح إلى أن
أتعرف على هويتي داخل دوامة الصيرورة ومساءلة الكينونة. من ثم، فأنا أكتب
لأنتمي إلى نص مفتوح تسهم في كتابته أقلام تبحث عن قيم إنسانية تتخطى أسيجة
القومية والانتماء العرقي.
لكن من حق القارئ أو الناقد أن يبحث عن بصمات
انتمائي المغربي و العربي ـ الإسلامي. غير أن طرائق القراءة تتعدد كما هو
معلوم: فهناك من يعطي الأسبقية للأبعاد اليوسيولوجية و لملامح الخصوصية
المجتمعية، وهناك من يبحث عن تجليات متخيل إنساني يتعالى على شرطه الأولي
بالرغم من أنه يمتح من خصوصية اللغة و التجربة و الفضاء. وهذا ما يجعلني
أقول في مجال آخر، إن ما يتبلور أكثر فأكثر على مستوى العلاقة بالأدب
كونيا، هو التمايز بين مواطني الأدب الإبداعي الإنساني، وبين مواطني ثقافة
الاستهلاك والفرجة والانغلاق داخل الهموم الضيقة.
إنني من موقع العلاقة
المزدزجة التي تربطني بالرواية، أي موقع الناقد و القارئ المحلل، وموقع
كاتب نصوص روائية يغامر بالتعبير عن ملامح من تجربة حياتية وثقافية، أشعر
دوما بتوتر بين التجربتين وبتعارض قلما يرسي على بر الأمان كما يقال. ذلك
لأنني أعتبر طموح الناقد والمحلل الأدبي مشروعا في تطلعاته إلى الإحاطة
بنحو النص وقوانينه المنظمة لتركيبه الفني وتحققاته السردية و الثيماتية
وصولا إلى تنظيرات تضبط مسار التحولات البارزة في كتابة الرواية ورصد
تشكلاتها وتنويعاتها.... لكنني، من داخل تجربة الكتابة، أستشعر أن النقد لا
يستطيع أن يتغلغل إلى ذلك الجزء السري الذي يلهث وراءه الكاتب قبل أن يقترب
من نغمة تضفي الحياة على النص و تجعله قادرا على مواجهة الواقع والقراء،
وقادرا على أن يبدأ حياته المستقلة عن نوايا الكاتب وتأويلاته.
وهذه
الخاصة المتمردة في الرواية هي التي تجعلها، بامتياز، ملجأ لحرية التخييل
ووسيلة للإفلات من قبضة الواقع القائم، ومعبرا إلى استكشاف أصقاع بكر
تقنعنا بأن حرية الإنسان أفق ممكن، وبأن مجاوزة العلائق و الرؤيات البائدة
رهان متجدد، يحفزنا في رحلتنا الحياتية.
لكن كل هذه التأملات حول علاقتي
بالكتابة ووظيفتها المحررة من اليومي المعتاد، ومن التصنيفات الإثنية
والانتمائية الضيقة، تبدو أقرب ما تكون إلى نشدان تأكيد وعي فرداني بالحرية
أتوسل به وبالكتابة الإبداعية لأحقق ذاتي المتخيلة وكأنني أستعيض بذلك عن
تعذر تحقيق الذات عبر الفعل وداخل المجتمع الملموس ومن خلال مواجهة العقبات
المضادة لحرية الفرد سواء أكان مصدرها قوى القدر المستوطنة للسماء أم قوى
التاريخ والواقع السياسي المصنوعة بأفعال بشرية و التي تتحول إلى قدرية
خانقة مهددة للحرية ولمعنى الحياة المنحدرة من الإرادة المشتركة.
إن
الكاتب العربي، اليوم، مهما حاول أن يجعل من التخييل والإبداع ملجأ يؤويه
من قبضة الواقع المتردي ومن الشروط العامة التي لا تمتلك سوى التدهور
والانحطاط أفقا، فإنه يواجه في أعماقه، صاحيا أو نائما، تلك الأسئلة
الوسواسية المقلقة: ما معنى أن أكتب الآن إبداعا باللغة العربية ؟ كيف أوفق
بين انتمائي إلى مجتمعات مهزومة وبين الكتابة وممارسة النقد ؟ كيف أصهر في
ذاتي الأفق الحداثي الذي اخترته لإبداعي و الشرط الحضاري الذي جعل الحداثة
مقترنة بتشظي الذات و الموضوع وبانفصام الأنا عن العالم ؟
بل ويمكن أن
أضيف التساؤل المحرج الذي صاغه المرحوم إدوارد سعيد في كتابه " الثقافة
والإمبريالية " قائلا " كيف ينبغي لنا أن نقوم بالتحديث في أوضاع الغليان
الزلزالي الذي يعانيه العالم اليوم وهو يتجه نحو نهاية القرن، أي كيف لنا
أن نحفظ الحياة عينها في حين أن المطالب اليومية المبتذلة للزمن الحاضر
تهدد بأن تبرز الحضور الإنساني و تسبقه " ؟
إن المجال لا يتسع للإجابة
على هذه الأسئلة العويصة، لكنني أستسمحكم في أن أقدم بعض الملاحظات المركزة
حول هذه المسألة التي تشغلني.
أ ـ عندما أفكر بطريقة تلقائية، أحس فعلا
أنني أنتمي إلى عالم عربي منهزم بالمعنى العميق، أي من منظور أن المقياس في
السياسة هو الفعل والإنجاز لا النوايا والتصريحات البرامجية.وما نعاينه
بالملموس هو الفشل في معركة التخلف وتنظيم الصراع الاجتماعي على أسس
ديمقراطية، والانخراط في إنتاج المعرفة وفق منطق العصر... وهو الفشل في
تفعيل الجدلية المخصبة بين المجتمع السياسي و المجتمع المدني، وبين الثقافي
و السياسي ؛ وكل ذلك آل إلى عودة الأصولية الانغلاقية والإيديولوجيات
الماضوية، وإلى تمجيد المستبد العادل وتمكين الحكم الفردي و العجز عن
مواجهة كوارث العولمة الربحية دون أن نتحدث عن احتلال العراق وعن فظائع
الاستعمار الإسرائيلي في فلسطين...
أظن أن إقراري بانتمائي إلى مجتمعات
مهزومة يزيل غشاوات عن عيني ويجعلني أواجه المعضلات من موقع انجلاء الأوهام
وهو، ولا شك، نفس الموقع الذي يوجد فيه معظم المثقفين العرب اليوم. لكن
الهزيمة هي من الثقل و الفداحة بحيث لأحس أن كل الكلمات والمقترحات البديلة
تتصف بخفة لا تحتمل وتقود إلى مضاعفة الانبهام بل أحيانا إلى التآلف مع هذه
الهزيمة المحتلة تقريبا لكل الفضاءات العربية.
من هذه الزاوية، أنا أفهم
فرحة المبدعين العرب بامتلاكهم لتلك الفسحة التي تهبهم حرية مؤقتة،
وأشاركهم فرحتهم كلما استطاع واحد منا أن ينهي قصيدة أو رواية أو قصة قصيرة
أو مسرحية...،لأن الفعل الإبداعي، فعل اللغة، يمنح تعويضا عن العجز عن
التغيير المباشر للأحوال المزرية ولأنه ينبه، رغم كل شيء، بأن الأشياء و
العلائق الاجتماعية و السياسية يمكن أن تكون على غير ما هي عليه: لعلها قوة
الإبداع التي تستطيع أن تتسرب إلى دواخل الأمور و النفوس وفي الآن نفسه
تشارف الخارج وتعانق رحابة المتخيل وتقيس " قوة صمت الممكنات ". مع ذلك،
ومهما التجأنا إلى حرية الإبداع فإن سؤال الهزيمة يلاحقنا بل أحيانا يجعل
الكتابة متعثرة أمام الإخفاق الجماعي وسيرورة التدهور المستمر الذي يفقد كل
الأفعال قيمتها وجدواها.
وفي ضوء ذلك أنا من الذين يرون أن على المبدعين
أن يتكلموا بصوت مسموع عن الشأن العام وعن الخراب الشامل الذي يمحو أفق
الأمل. وحتى يكون لصوتهم بعض التأثير لا مناص من أن يطرحوا الإشكالية في
جذورها العميقة، أي علاقة الثقافي بالسياسي لأن الأمر، في ما يخيل إلي،
يتعلق بإعادة النظر و التفكير في أسس الدولة الوطنية وفي مفاهيمها الجوهرية
مثل المواطنة و التعاقد الاجتماعي والأمة والسلطة و التعاقد بين الدولة و
المجتمع المدني، وما يبرر هذا التوجه هو أن نشوء الدول العربية الحديثة لم
يأت تتويجا لصراعات اجتماعية أو لحوارات عمومية بلورت فكرا سياسيا لصراعات
اجتماعية أو لحوارات عمومية بلورت فكرا سياسيا يضطلع بالمحاسبة و المراجعة
؛ وهذا ما جعل السياسة عندنا نهبا للاغتصاب و التسلط وتزييف إرادة الأغلبية
والانفراد بالقرار.
إنه لم يعد هناك مجال للسكوت أو تأجيل الإشكاليات
المركزية، سواء تعلق الأمر بالسياسة أو الدين أو حرية المواطن أو إلغاء
الوصاية على المرأة... وما يتم السكوت عنه اليوم بدعوى الواقعية أو
الاستفادة الشخصية أو حماية الهوية سيكون مصدرا لهزائم أخرى يدفع المجتمع
ثمنها الفادح.
وهذا لا يعني أن على المبدعين أن ينصرفوا عن الكتابة
ليحلوا مشكلات السياسة وإنما أقصد أن صوت المبدعين يمكن أن يحمل نقدا طازجا
وحدسا رؤيويا ويفتح الطريق لمرجعية مغايرة للأصولية الإرهابية وللخطاب
الرسمي التبريري الذي يلوح بالإصلاح بعد أن فشل في أن يصلح دواليبه
المهترئة منذ ثلاثين سنة على الأقل.
في دراسة شيقة للناقد الإيطالي كلود
يوماكري عن الأدب و النهيلية و المالنخوليا (السويداء )، يلاحظ أن كلا من
نيتشة ودوستويفسكي قد استشعر في عصره وفي المستقبل بروز النهيلية وتلاشي
القيم وأنساقها ؛ وأن نيتشة اعتبر ذلك تحريرا للإنسان يستوجب الاحتفال،
بينما اعتبر دوستويفسكي الظاهرة مرضا يستدعي المقاومة... وانطلاقا من ذلك
استنتج ماكري بأن الأدب الأوروبي الحديث عاش ولا يزال، تجربة أزمة الذات
الفاعلة ( ) أو تحللها الذي استتبع تحلل اللغة و تجربة النهيلية.
لقد
استوقفني هذا الرأي طويلا ووجدتني أقارن بين تجربة الأدب الأوروبي في
مواجهة تحلل الذات وبين وضعية الأدب العربي الحداثي المحاصر بمحيط نهيلي
وغياب مطلق للذات الفاعلة. ويخيل إلي أن ما يعمق الأزمة عندنا، خلافا
لأوروبا، هو أن الذات الفاعلة لم يتح لها التبلور والاستقلال النسبي عبر
مفهوم الفردانية الإيجابية ( ) التي كانت دعامة أساسية في الشكل السياسي
المتبني على أفراد ملموسين يؤثرون في توجيه المجتمع وربطه بالتشييد المادي
والأخلاقي والثقافي لعالم غير مسبوق يكون فيه الناس الوسيلة والغاية. أظن
أن هذه الثغرة الكبيرة فتحت الطريق لتعويض الفرد الفاعل بالدولة غير
الفاعلة ؛ و التحلل الذي نشاهده من موقع العجز هو تحلل الدولة الوطنية وما
يستتبع ذلك من تحلل اللغة و دلالاتها الموروثة واهتزاز القيم و المعايير،
وغلبة روح الانتهاز والانتفاع.
لذلك أقول: إذا كانت تجربة أزمة الذات في
أوروبا قد أدت إلى قطيعة بين الإنسان والعالم وإلى نهيلية تسوي بين الفعل
وعدمه، فإن أزمة ذاتيتنا الفردية و الدولتية عملت على إيجاد قطيعة بين
الأدب ومرجعية " المتخيل الوطني "، بين الأدب وإيديولوجيا الدولة المتسلطة
المعتمدة على اللغة الآمرة.
ويخيل إلي أن المبدعين العرب، أمام أزمة
بهذا العمق والشمول، قد اختاروا طريق المقاومة الذي اقترحه دوستويفسكي أي
التصدي للنهيلية والعبثية بابتداع لغة تسمي اللايسمى، وتصرخ وتفضح، وتهمس
وتحلم وتناغي الممكنات الملازمة لدفق الحياة. وهذا ما يمنح الأدب جرأته
المتفردة أي القدرة على تقليب التربة واستنبات الأمل في غياهب الزمن
العربي.
محمد برادة
7 / 9 / 2004
باريس