جماليـــات

إضــــــاءات

حــوارات مقـــــــالات تر جمــات دراســـات نصــوص سرديــة بطاقـة تعريـف   
للاتصـــــــال خدمــــــــات

خــــــاص

مواقع مفضلـة مواقع صديقة مكتبات الموقع كشك الموقـع موارد نصيــة

 

 
 
 

ابحث في الموقـع

 

 

 

 

 

د. أحمد فرشـوخ (المغـرب)

تأويل الرواية

الندرة والرمزية

دراسـة

تـأويـل الـروايـة:

النـدرة والـرمزيـة

د. أحمد فرشوخ

 

د. أحمد فرشوخ

1 . قانون الندرة

1 . 1 – هالة الفراغ

تنبع ضرورة التأويل من نُدرة الظواهر الإنسانية، إذ هي لا تظهر داخل اكتمال العقل، بل يحُف بها الفراغ، وتتصل بوقائع أخرى قد لا يخمنها تفكيرنا. فما هو كائن قد لا يقع، والأحداث الإنسانية عَرضية وقد تكون "اعتباطية" من منظور تنسيبي: إنها ليست بديهية ولا شفافة وإن تظاهرت بذلك.

من هنا يغدو التأويل مطلبا مًلحّاً لنيل المعرفة ذاتها. لذلك وجدنا "أفلاطون" يقول: "المعرفة تذكر والجهل نسيان"، قاصداً من وراء ذلك كونَ كل معرفة هي "معرفة ثانية"، مادامت المعرفة الأولى مُستحيلة بحُكم جوهرانيتها وتعاليها. ولأن الأمر كذلك، فكُل معرفة لها طابعُها التأويلي[1].

وفي حياتنا الفكرية المعاصرة تكتسي ضرورة التأويل صبغة جذرية ومصيريّة، وذلك بالنظر إلى سيادة الاغتراب المنبثق عن طٌغيان العلم الأداتي، وتشذر الرؤى، وصراع الثقافات والعقائد، وتضارُب المصالح والرهانات.

ومن هنا وجدنا النزوع التأويلي تياراً جارفاً يكاد يخترق شتّى العلوم والمناهج والفلسفات: الأمر الذي يستدعي الحذر على مستوى التمييز بين التأويل، وتشخيص المرجعيات والآليات والمقاصد. إذ ما معنى التأويل ضمن كل حقل معرفي؟ ومن يُريده؟ ولأجل ماذا؟ وبأي أدوات؟ وداخل أي أفق؟

وبحصرنا لموضوع التفكير ضمن النص الأدبي، نُلفي هذا الأخير خاضعا لاقتصاد خطابي خاص، يجعله امتداداً للمنـع والسلطة والرّغبة بحيث لا يستطيع أن يبوح بما لديه في كل الظروف والسياقات، ولا أن يتحدث كليا عن جميع الأشياء. فالنص ليس معادلا لما يُقال، لأن القول يوجد أيضاً في ما لا يقال، أي في ما تسكُت عنه اللغة. وفي ذلك يقول "هيدغر": "إن كل شيء يُقال ينبثق على أنحاء عديدة مما لا يُقال، سواء كان هذا اللامقول أو المسكوت عنه شيئاً ما لم يُقل بعد، أو كان من اللازم أن يبقى لا مقولاً، بمعنى أنه مما يضيق عنه نطاق الكلام" [2].

هكذا تكون كينونة النص مشروطةً بالتأويل، لأن الكُلّ لا يقال أبداً، والعبارات مهما بلغت وفرتُها تظل ناقصة بالنظر إلى الإمكانات المغيّبة القادرة على إنجاز تراكيب لا متناهِية للعناصر اللسانية. لذا يظهر التطفيف مبدأً مُحايثا لكل ممارسة نصية، ومبدأَ فراغ تتحلق حوله الألفاظ والمعاني المؤهلة للتكاثر والتضاعف من خلال مجموع وسائط التداول، وتحديداً من خلال الشروح والتآويل والتوالد الداخلي للشكل والمعنى.

فتطفيفُ النص إذن ضرورة إبستمولوجية يفرضها اقتصاد الخطاب. وبفضل الندرة ينوجدُ ثراء التلقي الموثوق إلى احتمالات المعنى وأطياف النصوص الحافة، وكذا إلى التشكيلات الخطابية المشيدة لقانون الندرة ذاته. ذلك أن التأويل نهج من أنهاج مواجهة النقص العباري وتعويضه عن طريق توفير المعنى. أما تحليل التشكيل الخطابي، فيروم البحث عن قانون ذلك النقص، وتحديد صورته النوعيّة، وبيان قيمته الاعتبارية [3].

وعلى هذا النّحو، تتحدّد كينونة النص بما هي نُموّ: أي بُزوغ وانفتاح. أو بعبارة أدق، صيرورة تسري باتجاه التفتق والظهور، تماماً مثل الورد وهُو يُزهر من خلال تفتق أكمامه لأجل التفتح، فيبقى في تفتحه ذاك.

فالكينونة النصية ليست ظاهرة متبدية، بل هي تنزع نحو التبدي دون أن تناله كاملا. وبالتالي فهي تصبو إلى الخرج عن الذات دون ن تظفر بذلك تماماً. فهي تأرجُحٌ دقيق بين الظهور والاحتجاب، ونَوَسانٌ رهيف بين الإقامة والحركة. إنها في ذات الآن قولٌ وصمت، انبثاق لا يني عن توليد ذاته مُسترسلا في الاحتجاب، "إسْرارٌ" [4]، يُخفي ويُظهر باستمرار.

وعليه، فإن التأويل يبدو مُنبثقا من هذه المفارقة النصية، التي جاوزت ذلك المنظور الأحادي المتحدّر عن التقليد السقراطي الناظر إلى النص عادة على أنه "ما يُظهره الكلام"، وما يتحدّد في المعنى المحصور ويرتبط بتصوّر خطي ينهض على المتابعة الدلالية للكلام. فلا عجب أن يُنظر، ضمن هذا التمثل، لكل نص غير واضح الدّلالة على أنّه "وهم"، كما يُنظر إلى كل نص يحمل دلالة متحوّلة على أنّه "وهم صادق".

1 . 2 – ذخائر الصمت

وخلافاً لذلك، فإنّ التصوُّر المنظوري للنص يرى بأن الكاتب لا يُحوّل كل مادته إلى تعابير وكلمات، بل يحتفظ باستمرار بذخائر الصّمت: الأمر الذي يعني أن الصمت مثل الكلام، له وظيفة دلالية تتلوّنُ بحسب السياق، وأنّ لـه بالتالي دوراً أساسيا في عملية التواصل.

ونحن واجدون ضمن بعض الدراسات الحديثة اهتماماً مميّزاً بالموضوع. ومن ذلك ما كتبه "إ. ت. هول E.T.Hall" ضمن دراسته العميقة "اللغة الصّامتة" [5]. وفيها يكتشف التناقضات الملغزة المخترقة للثقافات من جهة تواصل الناس في كثير من الأحيان دون اللجوء إلى الكلام. وليس هذا فحسب، بل ثمة عالم كامل من السلوك السري الذي لا نستطيع تفحّصه لأنه يكمُن خارج نطاق الوعي وفي غفلة من الرقيب. وما نٌدركه قد لا يكون سوى ظلال لمشاعر وأفكار غزيرة وكثيفة، تتوالدُ باستمرار وتشتغل دونما توقف في اليقظة وفي المنام. ولكن الغريب هو أن هذا السلوك الصامت يعمل في محاذاة الكلام بل قد يحُلّ محلّه.

وقد عمّق باحث آخر هو "ك. هـ. باسّو K. H. Basso دور الصّمت في عملية التواصل ضمن دراسة عنوانها: "هجرُ الكلمات: الصمت في ثقافة الأباتشي الغربيين" [6]. وقد لاحظ "باسّو" أن الهنود الأباتشي لا يُقبلون على الكلام الكثير، وهو ما دفع بعض الباحثين المسكونين بالمركزية الغربية إلى تقييم هذه الظاهرة بشكل سلبي، بحيث عَزوْها إلى الفقر اللغوي والهمود العاطفي والنقص المعرفي.

غير أن الحقيقة خلاف ذلك، لأن هؤلاء الباحثين يصدرون عن ثقافة "اللوغوس Logos التي تُعلي من شأنه الكلمة والامتلاء والنظام. والحال أن ثمّة ثقافة أخرى تُمجّد الفراغ والصّمت والانتشار.

ومن الأكيد، أن ثمّة تقنيناً مُحدّداً لشفرة الصمت حسب الأعراف والمواقف الاجتماعية والأخلاقية والدينية؛ وهي شفرةٌ تتمفصل مع شفرة الكلام وفق متطلبات وشروط وقوانين عديدة. وحينئذ، نكون أمام لعبة ازدواج من طبيعة أخرى بحيث نخلُص من جديد إلى ثنائية الغياب/ الحضور التي تكتسي قيمة كبيرة في أنظمة التواصل: فالسكونُ مقابلٌ للحركة في الرّقص، والوقفة مُقابلة للنوتة في الموسيقى، والفضاء الذي يُحيط بالتمثال في مقابل المادة الصلبة، والظلال في مقابل الألوان في اللوحة، والجيوب الهوائية في مقابل الكتل في المعمار، والفراغات في مقابل العلامات المكتوبة في النص.

وهكذا نعود إلى مبدإ "الفراغ" المٌنشط لعملية التلقي، والحافز على ممارسة التأويل. وضمن هذا الفراغ تتمفصل السلطة بالرغبة، وحينها نكون أمام إثارة وتحريض. وهاتان الفعاليتان تشتغلان في المستوى العميق الكائن في جوف النص؛ فأثرهُما لا يحدث سوى من خلال استراتيجية التخفي، القائمة على الهمْس واللمح والإغراء والتأجيل والقطع والمسافة والانتشار. وكل هذه السلوكات تنتمي لشفرة الصمت التي تتغلغل عناصرها بنفاذ إلى النّفس القارئة والخيال المستقبل والذاكرة المتلقية.

لذلك، فإنّ طبيعة السلطة تقتضي الاختفاء والصّمت. ومن هُنا وجدنا سُلطة النص تنهض على نثر الإيديولوجيا ضمن "فجوات النص وأبعاده الغائبة". فنحن، كما يقول "بيير ماشري P. Machery" لا نشعر بوجود الإيديولوجيا في النص الأدبي إلا من خلال جوانبه الصامتة الدّالة [وهي] التي يجبُ أن يتوقف عندها الناقد ليجعلها "تتكلم"؛ فالنص قد يُحَرَّم عليه – إيديولوجياً – قول أشياء معينة. ويجد المؤلف نفسه – في محاولة قصّ الحقيقة بطريقته الخاصة – مضطرا إلى الكشف عن حدود الإيديولوجيا التي يكتب منها، مضطراً إلى الكشف عن ثغراتها وصوامتها، أي الكشف عما هو غير قابل لأن يقال. ومادام النص يحتوي هذه الثغرات والصوامت فإنه يظل دائما غير متكامل" [7].

ولاشك أن هذا النقص التكويني يُفضي إلى صراع المعاني وتضاربها في داخله، كما يُفضي إلى صراع التآويل وتضارب التلقيات في محيطه: الشيء الذي يدُلّ على كُمون الرغبة داخل النص، كما يدل على انبثاق الرغبة في النص ذاته مادام مجال صراع وبُؤرة تنافس.

1 . 3 – دلالة الغياب

ومعروف أن الرغبة موثوقة إلى "الغياب" بما هو أحد إبدالات الصّمت. فالغياب هُنا هو أحد أمكنة الآخر، إذ يُشيَّد من خلال الثقب الذي يُحدثه ضمن المدلول. وهذا الثقب قد يكون "كبتا أو "إغفالاً": فإذا ما تخيلنا التجربة النصية "كنسيج"، أي حرفيا كقطعة قماش مُكونة من خيوط متشابكة، أمكننا القول إن الكبت يمثله شقٌ أو مزقٌ قد يكون هاما، لكنه قابل للرّتق أو الرأب؛ في حين يُمثل الإغفالَ فغورٌ معيّن سببُه الحياكة نفسها. إنه بإيجاز ثقب أصلي لا يقبل الملْء، وغير قابل أبداً لأن يُعثر على جوهره ثانية مادام موثوقا إلى جوهر الثقب نفسه، ولن تغطيه – تغطية ناقصة أبدا – إلاّ "قطعة"، إذا نحن استعملنا التعبير الفرويدي [8].

وإلى جانب استعارة النسيج، يُمكن تخيل النص الأدبي الفني "كلعبة" تعتمد الإظهار والإخفاء لأجل التحكم الرمزي في الغياب. وضمن هذا السياق، يُمكن الإفادة من قصّة حكاها "فرويد" ضمن كتابه "وراء مبدإ اللذة" [9]:

فقد لاحظ أب التحليل النفسي طفلا يُمارس اللعبة دون انقطاع، كان يُخفي خلالها بكرة ويُظهرها. فعندما يُبعد عنه البكرة يقول (oooh) مُطوّلة، وهي [صرخة] أمكن تأويلها على أنها كلمة "fort" الألمانية التي تعني: بعيدا، ذاهبة، منصرفة. وعندما يقربها منه يقول " da" المسرورة: أي هُنا، هي ذي.

ولقد ربط "فرويد" هذه اللعبة بوضعية الطفل: كانت أمه تعمل بالخارج، وتتركه وحيداً لساعات طويلة. ومن ثمّ، أخذت هذه اللعبة دلالة رمزية. إذ كانت تتيح لهذا الطفل أن يتحمّل المعيش المؤلم الذي تُسببه، بالتناوب، اختفاءات أمه وتجلياتها من جديد. ولقد كان يلعب ضمن الحدث دوراً إيجابيا مكَّنه من السيطرة على الوضع الصّعب.

إن لعبة البكرة هذه تمثل ميلاد اللغة في استقلاليتها عن الواقع، وتسمح لنا أن نفهم فهما أحسن كيف أن اللغة تُباعدنا عن الواقعي المعيش. فالطفل يتخلص، من خلال أول فعل من أفعال الترميز، من استعجال الحدث: أي اختفاء الأم وظهورها من جديد، عبر إحلال رمز مُشخَّص في ظهور بكرة واختفائها.

ومن جهة أخرى، فإن الفونيميْن "o" و "A" ( oooh و da)، سيرمُزان بدورهما، ومن خلال تناوبهما، إلى اختفاء البكرة وظهورها من جديد. لقد حصل التباعدُ بالنسبة إلى الواقعي المعيش عبر مرحلتين: انتقل الطفل من الأم إلى البكرة، ومن البكرة إلى اللغة أخيرا.

وبإمكاننا أن نعتبر هذه التجربة الأمثولية، بمثابة اللحظة الأولى لأي نقل مستقبلي، ولأية استعارة وأية لغة. ذلك أن الضياع يُعبّر عنه بموضوع بديل: أي عبر البكرة، وبواسطة اللغة. وترميزُ الغياب هُنا نابعٌ من إحساس قوي وغائر بالتمزق و"الدراما" والتكرار.

فهل تكون الرمزية موثوقة بالضرورة إلى الغياب؟ أتكون نابعة من شعور الألم والفجيعة والفقدان؟ وهل يمكن اعتبارٌ النص الأدبي الفني " بكرة لغوية" يتمُّ من خلالها التقريب بين الوعي واللاّوعي، والتمفصل بين الواقع والخيال؟ وبالتالي بين "الحضور" و"الذهاب"؟ بين الاستعارة والمعيش؟ بين الارتباط والاستقلالية؟ بين الذات والآخر؟ بين اللذة والألم؟ بين الطبيعة والثقافة؟

هلْ يجوز تأويل هذه القصّة الطفولية البليغة على أنّها انتقال من "الأمومي" إلى "اللغوي": أي من "السيميائي" إلى "الرمزي" وفق التمييز الشهير لـ"كريستيفا"؟

إنّ الناقد الأدبي بإمكانه أن يُفيد الكثيرَ من الحكاية الفرويديّة. ومن المُغري حقاًّ أن يتمّ التفكير في النص الأدبي "كبكرة" توحي بشتى الدلالات الرمزية والاستعارية والثقافية، دونما نسيان أنّ البكرة في الأصل ليست لُعبة، بل خضعت "لتحويل" و"ترميق".

ولنا أن نتأمل هُنا الآفاق المحتملة لكل مقارنة ممكنة. لكن ما يهُمّنا بالأساس هو اقترانُ الغياب بالدلالة مع تحكّم رمزي فيه. فالغياب ذو بلاغة، ويُمكن بعد ذلك التعرُّف على طبيعة هذه البلاغة وتحديد اشتراطاتها وتكوناتها وسيروراتها أيضاً

1 . 4 - سحر ما ينقص

وإذا كنا قد لامسنا في ما سبق قانون الندرة من الوجهة "المعرفية" والفلسفية [10]، فإننا نوّد الآن تبيُّن الأثر الجمالي للنقصان من جهة التلقي، وكذا فعاليته على مُستوى التأويل.

ذلك أن النص الأدبي الفني يُمارس تأثيره بما ينقصه ويوحي به، وليس فقط بما يُنجزه وينجح فيه، إلى درجة القول بأنه يدينُ لقيمته وتفوّقه إلى النقص أكثر مما يعود إلى قوته الفصيحة. فالأعمال الأدبية، كما أسلفنا، لا تبلُغ التطابق والامتلاء، إذ ثمّة نُكهة أولية للقصد والرؤية، لا تتحدّد تماماً طبيعتها. وعلى القارئ أن يُحسن التذوق ليستخلص من تلك النكهة بلاغة النص ومعرفته [11]، عليه أن يتموضع ضمن فراغات النص، لينصت إلى صمت الكاتب فيغترف من بلاغته العجيبة المترسبة في الأعماق. وبفضل ذلك يرتفع القارئ فوق النص، فيُولّد من خلال التأويل خيالاً يقتسمُ به الرؤية مع الكاتب.

وعليه، فإن جمالية النص الأدبي تنبثق عن المواقع الشاغرة الناحتة للفراغ، هذا الذي يتخذ أكثر من صورة وأكثر من معنى.

وثمّة أنماطٌ للفراغ بحسب المنظور والفلسفة النقدية، يُمكن بيانُها بالشكل التالي:

▪ الفراغ بوصفه نقصا: وهو فراغ ظاهراتي، يمنحُ حريّة نسبية في التأويل، ويتغيّا تطفيف القيمة المرجعية للنص، لا تدميرها: الشيء الذي يُفضي إلى تعدّد مقبول للمعنى؛ تعدد موثوق إلى السياق ومسؤولية القراءة.

وهذا النوع من الفراغ، إنّما ينبثق من التناغم الحاصل بين طبقات العمل الأدبي؛ وهي "طبقة المحسوس" مُشخصا في البنية التحتية أو الأساس المادي الذي يقوم عليه مُجمل الموضوع الجمالي. والمحسوس في العمل هو طابعه الكياني أو شيئيته ممثلا في الصوت والكلمة المكتوبة. والإدراك الجمالي يُحوّل المحسوس من صيغته الخام إلى صيغة جميلة ذات طابع خاص، وذات كيفية مختلفة.

ثم هناك "طبقة المعنى"، وهي التي تمنح المحسوس دلالة وتشاكُلاً ما، إذ لولاها لظل غُفلا، وسديماً تختلط فيه الأصوات والعلامات. غير أن المعنى هُنا مُباطِنٌ للمحسوس، مُشْربٌ به، متأصِّل فيه. ولذا نُلفيه خصبا ومتعدّداً ومُشِعاً بمعاني شتى خلافا للمعاني المباشرة والوحيدة البُعد التي تطبَعُ الموضوعات اللاّجمالية، أو تطبع التأويلات الحرفية التي تنزع عن الأعمال الفنية كيانها الجمالي، فتحرمها من ثراء الإشارات وخصوبة الدلالة.

أما الطبقة الثالثة، فتتجسَّد من خلال "التعبير" عن العالَم الفني المفارق والفائض عن العالم المحسوس. وهُنا نكون أمام الكلية الدّالة ، من حيث هي وحدة نصية عميقة تُشخِّصُ ما يُسُمّى "بفكرةَ العمل" النابعة من العلاقة العضوية بالعلامات المحسوسة والمتجلية من خلالها: الشيء الذي يجعلها فكرةَ العمل الفني ذاتِه، لا فكرةً عنه أو لأجله. كما يجعلها فكرةً مُشبعة بالوجدان والخيال، مُستخلصة عبر تلك الخصائص الفارقة التي تشِعُّ ضمن العمل وتُحييه، بل وتهبه اسماً وتوقيعا، أي فرادة وتميّزاً ضمن عالميْ الواقع والفن.

وأخيراً، نصل إلى "طبقة المظاهر التخطيطية"، أي المظاهر الانتقائية والتلميحيّة. وتكون مبسوطة من خلال منظورات جانبية وإضماريّة، مختلفة في ذلك عن مظاهر الواقع الملموس، تلك التي تكون عادة مُحدّدة ومُعطاة [12].

هكذا يتخلق الفراغ من التناغم بين هذه الطبقات: الشيء الذي يُفضي إلى وُلوج النص لدائرة "اللاتحديد" المسؤولة عن تنشيط فعل التأويل.

ولتوضيـح ذلك يعقـد الناقد الجمالي "رومان إنجـردن Roman Ingarden" مُقارنةً [13] بين غرفة جمالية يُشيّدها مٌبدع في رواية، وغرفة حقيقية ذات وجود حسّي، مُستنتجاً بأنه لا مجال لعناصر اللاتحديد والمراوغة في تعاملنا مع الحجرة الملموسة، بخلاف الحجرة الجمالية المسكونة بالفراغات الحافزة على التخييل، لأن الروائي مهما دقت أوصافه وتفصيلاته، تاركٌ لا محالة مواقع لرغبة القارئ واستيهامه واختلاقه.

وما يُلفت النظر هو أن المبدعين أنفُسهم، واعون تماماً بالأهمية الجمالية للفراغ. لذا وجـدنا الروائي الإنجليزي "لورانس ستورن" يكتب ضمن روايته "تريسترام شاندي Tristran Shandy" قائلا: "ليس هناك مؤلف يفهم الحدود الحقيقية لشروط اللياقة والأصل الطيب، يمكنه أن يتجرأ في القول بأنه يتصور كل شيء: والاحترام الأصح الذي يمكن أن يوليه المرء لفهم القارئ هو أن يقتسم معه بالتساوي هذا التصوّر وبطريقة حبية، وأن يترك له شيئا يتخيله بدوره مثلما يترك ذلك لنفسه. ومن جانبي فأنا سأقدم للقارئ دائماً كل ثناء من هذا النوع، وسأفعل كل ما في جهدي لأجعل خياله يشتغل مثلما يشتغل خيالي"[14].

▪ الفراغ بوصفه مسافة: وهو فراغ تفكيكي، ينبثق عن الفجوة بين الدال والمدلول، ويسمح بالتعدد اللانهائي للمعنى: أي "بالتشتيت" المُخالف للتعدّد المُراقب. ذلك أن الفراغ الظاهراتي نقص يكمله المتلقي، أما الفراغ التفكيكي فمسافة تُغري بالتأويل المتطرّف.

ومن ثمّ، فإن التعدد الدلالي المعتدل النابع من تكملة النقص وملء الثغرة، إنما هو تعدّد يُنتَج في سياق اختلاف يُقدِّر الوحدة، وضمن فوضى جميلة يُنظر إليها ضمن الانسجام، وفي إطار مراوغات تؤمن بالثبات.

ويُمكن مُعالجة هذا النوع من التعدد، من خلال المقاربة السيميائية منظوراً إليها من وجهة "التشاكل" بمُختلف تفريعاته وتدرّجاته. في حين، نجدُ التعدد اللانهائي موثوقاً إلى تصور يؤمن بالقوة الهائلة واللامحدودة للدال، ولا يثق في الحقيقة والتجانس النصي.

وفي هذا الضوء، نجدُ "المسافة" لدى التفكيكيين المغالين هُوّةً لا ردْم لها، تتسع وتنداح كلما شرعنا في قراءة جديدة. وحينئذ، لا نجدُ مكاناً لقراءة سليمة أو قريبة من الحقيقة، بل ثمة دوماً "سوء قراءة".

وضمن هذا التقييم النقدي يُمكن للقراءات أن تتنافس، وأن يتفوق بعضُها على بعض. وبالتالي أن تتمايز، بحيث تندرج من القراءة السيئة العقيمة إلى القراءة السيئة الخلاقة!

▪ الفراغ بوصفه صورة: إنه فراغ بلاغي، يتخذ شكل محسّن سردي عارٍ. ومن ثمّ وجدنا كثيراً من النصوص تحظى بخصوبة تصويرية دونما توظيف للصور البلاغية المعهودة من كناية واستعارة ومجاز. وها هُنا يلعب "الحذف" بما هو شكل فراغي، يلعب دوراً رئيسياً في تخليق الإيحاء ونحت الثغرات، والحفر في العُمق النصي: الشيء الذي يجعل عالم الكتابة يتّسع من الداخل، فتغزُر معانيه، ويتقوى إشعاعه.

وبهذا يكون "الحذف" آلية من آليات اتساع النص، وهو في هذا يُوازي ما يُسميه البلاغيون العرب القدماء "بإيجاز القصر". يقول "الرماني" مُمَيّزاً بينهما: "أحدهما فيه إسقاط كلمة للاجتزاء عنها بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام، والآخر هُو بنِيَّةِ الكلام على تقليل اللفظ وتكثير المعنى من غير حذف" [15].

وبتأملنا لنوعيْ الإيجاز، نجدُهما قائمين على جدلية الحضور والغياب. ففي الأول (الحذف) تكون العبارة ذاتها مبنية على غياب أحد عناصر دوالها، غير أن هذا الغياب يومئ إلى نفسه عبر الإشارات والقرائن؛ أما الثاني (القصر) فلا يستلزم حذفا في العبارة، إذ هي تامة العناصر، بيد أن ثمة "تكثيفاً" للمعاني يسمح بتوليد الجديد والمختلف.

لذلك، كان الحذف "أبلغ من الذكر لأنّ النفس تذهب فيه كل مذهب" [16]. وهو عند "عبد القاهر الجرجاني": "بابٌ دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيبُ الأمر، شبيهٌ بالسحر. فإنك ترى به ترْك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتمّ ما تكون إذا لم تُبن" [17].

وبهذا يكون الإيجاز عامّة شكلا فراغيا، ينطوي على قوة إيحائية ثرة تحفز خيال المتلقي وتقدح ملكاته النفسية والمعرفية. وحينئذ، يتشخّص الوجه الجميل للنص، إذ في الإبانة والغموض – كما أسلفنا – تنفرجُ المعاني، وتومِضُ الصور، وتلوح الرغبة، وتنبثقُ لذة القراءة وقلقُها.

وبعودتنا إلى الوعي النظري للروائيين أنفسهم بتقنية "الحذف" من حيث هي مُحسٍّنٌ سردي ينحت شكلا من أشكال الفراغ، نُلفي "همنغواي"، تمثيلا، كان يتّفق له فجأة وهو يكتب رواية (أو قصة) أن يحذف الحدث الرئيس فيها.

وفي هذا السياق يقول متحدثا عن إحدى أقاصيصه: "كانت قصة بسيطة بعنوان "في غير أوانه"، وحذفت نهايتها الحقيقية، التي تتضمن قيام الرجل العجوز بشنق نفسه. وقد أجريت الحذف بناءً على نظريتي الجديدة القائلة بأنك تستطيع أن تحذف أي شيء إذا كنت تعرف ما تحذف، وهذا الحذف سيُقوي القصة ويجعل الناس يشعرون أكثر بما فهموه" [18].

وفي رواية "الغيرة" "لألان روب غرييي Alain Robbe Grillet"، سيتمُُّ نفي عنصر أساس في المحكي: إنه الشخصية المركزية نفسها. لكن هذا الغياب يُستشفّ من خلال العديد من القرائن الحافزة على التأويل. وكما هو معروف عن "روب غريي"، فليس ثمة في رواياته حكاية بالمعنى التقليدي، بل هناك بالأحرى حكاية مثقوبة تستدعي الملْء والترميم، بحيث يغدو القارئ شبيها بعالم آثار يُعيد تركيب قصور خاوية.

وهكذا يُسعفنا التأويل في ملء الفراغ المركزي للرواية، بحيث يتخايل الكائن الخفي في صورة زوج غيور تسكنه الرّيبة، ويراقب بهوس كل تصرفات زوجته عسى أن تتحقق وساوسه. وليس للقارئ سوى أن يستنطق علامات الوصف ويُشخص المرض النفسي للشخصية الفارغـة عبر النظرات الممسوسة، ومن خـلال الشظايا والأشياء المقرونة بالغياب والمحو (الكرسي الفـارغ، الممحاة، البيوت الصامتـة، ضوء الشمس المُلبّد بالغيوم... الخ) [19].

وفي رواية "المزار Sanctuaire" لـ"فولكنرFaulkner"، نُلفي باطن المحكي محذوفاً، لكنه مُستحضر من خلال الفعالية التأويلية التي تستطيع لملمة الشذرات السردية المنبثقة عن حبكة درامية، تتجسّد في افتصاض مجرم عصابي وعاجز جنسيا يُدعى "بويبي" لفتاة طائشة تُسَمّى "يتمبـل"، بواسطة قصبة ذرة. وهذه الحبكة مُترسبة في قيعان السرد، مقرونة بصمت رهيب يلـُف الجوّ الروائي؛ حيـث سيادة الوحشية وانتشار القمع والخوف وشيـوع البدائية والشر، وبالتالي ضياعُ الإنسان وسقوطه بالمعنى الانجيلي للكلمة [20].

هكذا يتضح بأن الفضاء المكتوب من أي رواية ليس سوى جزء من فضاء أوسع، يشمل عناصر خفية تومئ إلى الفراغ، الذي هو قيمة وإحساس.

فحتى الفراغ، إذن، هو إحساس، وكل إحساس يتراكب مع الفراغ وهو يتراكب مع ذاته. وبهذا تكون الرواية شبيهة بلوحةٍ لا يمكن أن تكون ممتلئة كليا دونها تنفس الهواء. بل لا بُدّ لها لكي تكون عملا فنيا، مِنْ أن تُبقيَ على ما يكفي من الفراغات لجعل الخيول تعدو فيها، ولوْ من خلال تنوع المُسطحات [21].

وجديرٌ بالتأكيد أن الفراغات المنحوتة ضمن الفضاء السردي تتباين بحسب المنظور والقصْد والصّنعة. فثمة فراغات تُباطِنُ النص بحُكم الطبيعة الناقصة "للتمثيل"، وهي ضرورية للكتابة لأنها تُشبه الثقب اللاّزم للنسيج، المنبثق عن الحياكة. وثمة فراغات مبنية بحذق ومهارة، وهي تتغيّا إخفاء بعض الأحداث والعلامات والرموز لكي تصبح أكثر إشعاعاً. وهناك فراغات أخرى قد تكون ناتجة عن إهمال أو قصور في الإدراك والبناء والمعرفة.

وعليه، فإن "الفراغ" مبدأ فني وجمالي شديدُ التعقيد، يُمكن أن يُعالج من جهة الإنتاج وكذا من جهة التلقي، دونما نسيان حمولته الثقافية والفلسفية. ذلك أن توسيع التفكير في الموضوع من شأنه أن يُفضي إلى تأمل جمالية الفراغ ضمن الأنساق الثقافية، من حيث نظرتُها إليه. إذ ثمة ثقافات تُمجد الفراغ فتجعل منه قيمة تصِلُ حدّ التقديـس؛ فيما ثقافات أخرى تبدو كارهـة له، لأنها ما زالت مُنبهـرة بالممتلئ (le plein).

لذلك وجدنا الإغريق وورثتهم في الغرب يخشون الفراغ ويخافون خصائصه الوجودية والحسابية، لكنهم أعادوا اكتشافه حديثا [22]. في حين ألفينا حضارات الشرق تجعل

من الفراغ قيمة فلسفية ودينية ذات أبعاد أنطولوجية. ومن ذلك تقديسُ الهندوسية له كتجسيد للعدم، وكذا تمجيده من قبل "التاوية" حيث يقول الحكيم "لاوتسو" في كتاب "تاوتي كنج":

التاو خاو (كالوعاء)

قد يتم استخدامه، لكن طاقته لا تُستنفد

إنه بلا قاع، ورُبما كان الجد الأول لكل الأشياء

إنه يَثلِم حدتها،

ويفُكُ تشابكاتِها،

ويخفت نورها،

ويتوحد مع العالم الترابي،

وهو في عمقه، وسكونه، يبدو أنه موجود إلى الأبد" [23].

والقول بأن "التاو" خاوٍ إشارةٌ إلى كونه إمكانية تُغري بكُنوز المعنى، أي طاقة لا نهاية لها؛ طاقة تُؤَمِّن الخلود والتكرار وتوالُد الأشياء.

وعليه، فإن الفراغ هو في صُلب الصراع بين الشرق والغرب، وفي قلب المعركة بين الدين والفلسفة والعلم. وتحت كل ثورة في الفكر والفن، رُبَّما يرقد فراغ ما.

إن التوسُّع في هذا الموضوع قد يغمرُنا بتشعبات ومسارات لا حصر لها. وقصدُنا من إثارته هو إعادة الاعتبار "للفراغ" من جهة القيمة الثقافية التي لا تنفصل بكل تأكيد عن القيمة الجمالية.

ولا نظن أن "جمالية التلقي" تحديداً، وهي مدرسة ألمانية تنتسبُ لتراث فلسفي باذخ، لا نظن أنها ألغت من حسابها البُعد الفلسفي للفراغ. ومن هُنا وُجوب الحفر في مُضمرات خطابها النقدي لأجل إعادة بناء نظريّتها في "الفراغ"؛ هذا الذي مازال في حاجة لاستكشاف أنماطه وتلاوينه ومرجعياته، ورُبّما مازال ينتظرُ المزيد من التفكير في مردوديته النقدية ونجاعته الإجرائية.

ومن الأكيد أن تأويل فراغات العمل الفني لا يقتصر على المدار النقدي في بُعده الضيق، إذ لا مندوحة من وصْل العمل بسياقه الثقافي على مُستوى استخلاص الأطر الاجتماعية والحضارية للإنتاج والاستقبال. وبالتالي لا مندوحة من اكتشاف "العلامة المنبع" التي منها يتولد النص: أي العلامة الحاملة لروح الثقافة، والتي يستلهمها النص في تشييد كيانه.

وبهذا المعنى فإن تأويل النص يتبدّل بحسب العلامة الوالدة لمختلف القيم. وحينئذ، فإن نَصّاً ينتسبُ لثقافة يكون فيها "الفراغ" علامة منبعاً، سيختلف عن نص آخر ينتمي لثقافة الامتلاء. كما أن هجرة نص من إطار حضاري إلى آخر، سيطرح مشكلات كثيرة على مُستوى التلقي الملائم.

ومن هُنا يندرجُ تقدير الفراغ ضمن المعرفة بآليات الفهم. إذ كيف يكون استقبال قارئ عربي أو فرنسي أو إنجليزي، لرواية يابانية أو صينية أو هندية تصدُر عن ثقافة شاسعة غنية تجعل من "الفراغ"، في بُعده الإيجابي، علامةً منبعاً، وبالتالي نظاماً سيميوطيقيا؟ [24]

هكذا لا يعود الفراغ مجرّد علامات بنائية فحسب، بل يغدو أيضاً وبالأساس نظاما معرفيا والداً لقيمة النص على المستوى الجمالي والمعرفي والفلسفي. ومن الأكيد أنّ اجتراح منظور يُركّب بين الفراغ "البنائي"، والفراغ "الرؤيوي" سيُسهم في توسيع حقل المعالجة الأدبية، وتحديداً في توسيع فهم الموضوع الجمالي. إذ من شأن النظرة المُحرَّفة أو الخاطئة للفراغ كاستراتيجية فنية وكعلامة والدة، أن تُفضي إلى اشتقاق موضوع جمالي فقير أو مُعارض تماماً للسّنن الثقافي الشامل.

وتعزيزاً لهذا المنظور المتأمل للفراغ خارج التمركز الغربي التقليدي، نُلفي الفن الصيني شديد الصّلة بنظامه الثقافي. وعن ذلك يتحدث الفنان الصيني "فرانسوا شينج" في كتاب "اللغة الشعرية الصينية"، مُبَيناً أنَّ الفراغ كمفهوم جمالي صيني يشكل إلى جانب مفهوم الامتلاء، قطبيْ الرؤية الجمالية والتصورية للعالم. وهذا ما يجعل اللغة الشعرية الصينية لغة حركية "لغة متفجرة تُعيد استعمال العلاقة بين المقول والمسكوت عنه، الحركة والثبات، وفي نهاية التحليل بين الذات والموضوع. وهذه اللغة المتحركة بفعل الصراع هي القادرة (...) على إيجاد الكلمة التي يدور فيها "النفَس" ومن ثم على وصف ما يدق عن الوصف" [25]. وهذا معناه أن "الإنسان الذي يمتلك بُعد الفراغ يمحو المسافة الفاصلة بين العناصر الخارجية، والعلاقة التي يحصُل عليها بين الأشياء هي نفسُها التي يربطها هو نفسه مع الأشياء. وبدل استعمال اللغة الوصفية ينتهج طريقة "التمثيل الباطني" تاركاً اللغة تلعبُ كُليا "لُعبتها"" [26].

1 . 5 – من فراغات النص إلى نص الفراغ

"ما يبدو لي جميلا، ما أريد أن أفعله، هو كتاب عن لا شيء، كتاب دون ارتباط خارجي، يقوم بذاته من خلال القوة الداخلية لأسلوبه، كما تقوم الأرض في الفراغ. كتابٌ لا يكاد يكون ذا موضوع، أو على الأقل يكون موضوعه لا مرئيا تقريبا، إن كان ذلك ممكنا. إن أجمل الأعمال هي حيث يكون أقل ما يُمكن من مادة [الموضوع]؛ كلما اقترب التعبير من الفكرة، كلما التصق بها المعنى وتلاشى، كان ذلك أجمل. أعتقد أن مستقبل الفن هو في هذا السبيل [...] إن الشكل، حين يصير حاذقا، يتلطف؛ وينفصل عن كل طقس [من الطقوس]، وكل قاعدة، وكل عيار؛ يغادر من الملحمي إلى الرواية، ومن الشعر إلى النثر؛ ولا يعود يعرف تقليدية ويكون حرا مثل كُلّ إرادة أنتجته" [27].

يُشكل هذا المقطع الواصف المنتسب لـ'فلوبير" رؤية قوية وجديدة للعمل الروائي، وهُو يُشير في آن إلى "أزمة الواقعي" و "أزمة الرواية". وفيه تزدوجُ إشكالية الكتابة بإشكالية التخييل، حيث انبثاق "عصر الشك" والاحتفاءُ بالفراغ، أو بالأحرى اكتشاف قيمته البانية لنصّ 'مهجور" و"عارٍ" يتوق إلى وُجود خالص واستقلال ذاتي يرِنُّ ببلاغة الصمت وهسيس المطلق؛ نصٍّ يمحو ويُؤجل وينثر المعنى، ويُشظي الوقوع، وينتصب لوحده "كأكوام الكلإ في لوحات "كلود مونيه" [28]؛ نصٍّ منقطع ومُعلَّقٍ في الفراغ، أجوف كالقعر أو كالقلب، يحكي عن "اللاشيء"، عن العدم والفراغ، وفراغ الفراغ؛ نًصٍّ ينضو عن نفسه أثقال المادة وضجيج الموضوع، يتحرّر من استبداد المرجع، ويكاد يسقط في فراغ الحرية الهائل.

إن توقاً إلى مثل هذا النص الروائي ليس، بالطبع، سوى حُلم، حُلمٍ بالرواية الآتية التي نكاد نلمسها دون إدراكها؛ الرواية التي تطمح أن تكون إيحاءً خالصاً لا أمْراً: أي صمتاً مصنوعاً بالكلمات.

وحينئذ، يكون مثل هذا الصمت ثمرة إبداع وفكر، وصيغة أخرى من صيغ التّندير (من النّدرة) للعمل الروائي حيث الكلمات نفسُها، لا غيابُها فقط، تحفِر الصّمت الرّنان الذي يُفضي إلى إشراق "الموضوع" في نفسه كما تتقِدُ النّار. ولاشك أن هذا الصّمت "الكلي" يُنتِج ويُفسِّر في آن أشكال الفراغ المرصِّعة للعمل، والحافزة على التأويل وإعادة الخلق.

وقريباً من الصّمت الفلوبيرى، نُلفي "ميشيل بوتور M. Butor" يقول بكون "الفراغ مصدراً للرواية وجوهراً لها" [29]، وقبل ذلك أعلن "جان ريكاردو J. Ricardou" بأن رواية "الوقت المارّ le temps passé" كانت "قصّ الثغرة". وتشكل "التع