|
" يمكنك
أن تقطع الصنوبرة. لكنك لن
تفصلها عن عروقها"
ادمون
جابِس
كيف أقدّمه وهو سمير قصير،
وماذا أقول بعد كل ما قيل عنه
وفيه؟
عندما انفجرت قنبلة الغدر في
قلبه وقلوبنا صباح الثاني من
حزيران 2005، كان يبلغ من العمر
45 عاما وشهرا واحدا إلا يومين.
45 عاما وشهرا إلا يومين، أمضى
معظمها يكبر ويزداد ويدرس ويقرأ
ويفكّر ويحبّ ويعطي ويلمع
ويستفزّ ويولّد ويستطلع ويهدي.
كيف تخمد إصبع ديناميت بركانا؟
كيف تنخر نملةٌ جبلا؟ كيف يقتل
خوّافٌ أسدا؟
لأنه أسد. لأنه أسد تحديدا.
فالأسد لا ينظر وراءه كل لحظة
كالخوّافين. يقول كلمته، ويمشي
الى الأمام. بل هو الأسد يدلّ
الأمام أين الأمام.
*
أنا اليوم لا اريد أن أكتب
وجدانا عن سمير. لا اريد ان
اكتب عاطفة لا أريد ان اكتب
حقدا لا اريد ان اكتب دموعا لا
اريد ان اكتب حسرة لا اريد ان
اكتب اتهاما لا اريد ان اكتب
نقمة لا اريد ان اكتب انتقاما
لا اريد ان اكتب تحليلا لا اريد
ان اكتب استنكارا لا اريد أن
اكتب رعبا لا اريد ان اكتب
صراخا لا اريد ان اكتب انينا لا
اريد ان اكتب رأيا لا اريد أن
اكتب ذكرى لا اريد ان اكتب
عنادا لا اريد ان اكتب استسلاما
لا اريد ان اكتب يأسا لا اريد
ان اكتب تمزّقا لا اريد ان اكتب
وفاء لا اريد ان اكتب تحية لا
اريد ان اكتب اعجابا لا اريد ان
اكتب كفرا لا اريد ان اكتب
إدانة لا أريد ان اكتب قهرا ولا
أريد لا أريد ان اكتب وداعا
...
وأيضا:
أنا اليوم لن اكتب سيرة سمير.
لن اكتب الانسان لن اكتب الكاتب
لن اكتب المثقف لن اكتب المفكّر
لن اكتب الباحث لن اكتب الأب لن
اكتب المحاضر لن اكتب الصحافي
لن اكتب الابن لن اكتب الزوج لن
أكتب السياسي لن اكتب الاستاذ
لن أكتب الصديق لن أكتب الأخ لن
اكتب القتيل لن اكتب الشهيد لن
اكتب الرجل لن اكتب مزايا الرجل
لن اكتب خصاله لن اكتب الذكاء
لن اكتب الثقافة لن أكتب الحرية
لن اكتب البصيرة لن اكتب
الشهامة لن أكتب الشباب لن اكتب
الابتسامة لن أكتب الزهو لن
اكتب التوقّد لن أكتب الوسامة
لن اكتب الألق لن اكتب الحلم لن
اكتب النباهة لن اكتب البريق لن
اكتب العناد لن أكتب الاندفاع
لن أكتب الفروسية لن اكتب
الاستقامة لن اكتب الرؤيوية لن
اكتب الموهبة لن اكتب الجرأة لن
اكتب الشجاعة لن اكتب الألم لا
لن اكتب آلام حنا وليلى وجيزيل
وميساء وليانا وسليمان ووليد
والياس وعقل وغسان وجبران
وفاروق وزياد ونواف وسحر
وباسكال وأيمن وكارمن وميّ
وآلام المئات والألوف من
اصدقائه واقربائه وطلابه
وقرّائه وغربائه ممن احبّوه
واحترموه وخسروه...
ماذا بقي أن اكتب إذاً؟
بقي كل شيء. بقي أن – أحاول أن
- أترك لسمير أن يكتب بعض سمير.
*
سطوة هيبته لم تخفت. أخطّ سطرا،
أشعر بجبينه يتقطّب امتعاضا،
فأسارع الى محوه. ثم بعد سطر
آخر أتخيّله يهزّ رأسه
استحسانا، فأمعن وأحفر. لا، لم
تخفت الهيبة: جلّ ما حصل هو ان
الناقد الرائي اللاذع العادل
الذي نحسب له الف حساب انتقل من
المكتب المجاور على يميني في
مبنى جريدة "النهار"، الى نقطةٍ
تقع في النصف الأيسر من الدماغ.
نقطةٌ - بحرٌ اسمها الضمير.
*
وتسألون: "اين التقيتِ به لكي
تجري هذا الحوار؟". في كتبه
التقينا. وفي المحاضرات
والحوارات. وفي مقالاته
المسنونة. وفي أفكاره الناضحة
بالأفكار. وفي الخيال عندما
يكون امتدادا لا اختراعا. وفي
النار التي تقدحها زأرة "كفى"
المدوّية من غضبي وغضب كثيرين
وكثيرات. وفي ما كانه سمير قصير
وسيظلّ يكونه الى الأبد. وفي كل
ما لن يستطيع أي مجرم ومتوحّش
ونذل وجبان وداجن وضعيف ان
يسلبه إياه، وإيانا.
***
*
لنبدأ من جديدك. لماذا تأملاتك
في "الشقاء" العربي؟
-
غالبا ما يتكلم الناس، عربا
وأجانب، بطريقة سيئة وخاطئة على
العالم العربي، حدّ أني وجدت ان
من الضروري أن أعيد تصويب بعض
التصورات المشوّهة والأفكار
المسبقة في هذا المجال؛ خصوصا
ذاك التصوّر الذي ينصّ على أن
العرب محكوم عليهم بالعيش دائما
في ظروف حاضرهم الدراماتيكية،
متجاهلا واقع انه لثلاثة أو
اربعة عقود خلت، كان يبدو
مستقبل العرب زاخرا بالوعود. لم
تكن اولويتي في هذا الكتاب أن
احلل أسباب الفشل في الوصول الى
ذلك المستقبل، بل أن اذكّر بأن
العرب عرفوا التحديث وبأن قيم
الأنوار كانت سائدة بينهم منذ
وقت غير بعيد. علينا ان نعرف ان
المشكلة العربية لا تكمن فقط في
سوء النمو او في التفاوتات
الاجتماعية، رغم فداحة هذه. بل
ان ما يسم العالم العربي هو
ادراكه التشاؤمي المستمر ان ما
ينتظره هو طريق مسدود دائما،
ومستقبل معتم لا محالة، وأمل
مستحيل بالتأكيد. انها كليشيهات
معاصرة سلبية تثقل كاهل العرب،
أكانت مستوردة من الخارج أم
مغذّاة من العرب انفسهم. في هذا
المعنى، كتابي هو نوع من
التعبئة ضد خطاب الضحية.
* ولكن من
الطبيعي أن يؤدي الشعور بالعجز
الى انتاج صفة "الضحية"...
-
نعم، ولكن هناك مبالغة في تبنّي
صفة الضحية هذه. العرب ينسون
عمدا الضحايا الآخرين للشمال
الصناعي والاستعماري. وحتى اذا
اعترفنا بأن العرب ضحايا فعلا،
أنا أؤمن بأن ليس كل شيء مباحا
للضحية، وخصوصا ليس الارهاب
الاعمى. كثر في الغرب يريدون
الخلط بين المقاومة والارهاب،
لكن في المقابل هناك عرب ينزعون
الى الخلط بين الارهاب
والمقاومة. طبعا، رفض صورة
الضحية لا يعني من جهة ثانية
اعتمادنا تقنية جلد الذات. ويجب
ان يعترف الاوروبيون بعلامة
تاريخية وجيوسياسية تميّز
العالم العربي، الا وهي أنه
المنطقة الوحيدة في العالم التي
لا تزال تعاني الآثار
الاستعمارية بعد 40 عاما على
انتهاء الاستعمار. واعني هنا
تحديدا النزاع الاسرائيلي -
الفلسطيني الذي استنزف الطاقات
والقدرات والوقت والادوات
العربية، وساهم مساهمة كبيرة في
سوء النمو المتفشي. وهو يفسر
الى حد بعيد لماذا نحن هنا الآن
في أوائل القرن الحادي
والعشرين، فيما كان القرن
التاسع عشر وبداية القرن
العشرين واعدين الى هذا المدى.
* فعلا، فمن
يصدّق ان النقاش الأول حول وضع
المرأة جرى في بيروت عام 1848؟
-
ومن يصدّق أن هدى شعراوي نزعت
الحجاب عن رأسها امام الناس في
القاهرة عام 1922، بعد جدال
طويل أذكاه وحرّكه قاسم أمين
حول تحرير المرأة في اواخر
القرن التاسع عشر؟ منذ تلك
اللحظة انتشر نزع الحجاب في
العالم العربي بسرعة، وبشكل
طوعي، لا تبعا لنموذج تركيا
أتاتورك. وفي اواخر الستينات
كان قد بات حضور الحجاب ضئيلا
جدا في معظم المدن العربية.
ولكن فجأة، بدءا من منتصف
السبعينات، عاد الحجاب الى
الظهور نتيجة حركة نضالية منظمة
وواسعة في اتجاهه.
* لكنك تقول في
كتابك ان العولمة الثقافية يمكن
ان تمثل اليوم فرصة للخلاص من
هذه العودة الى الوراء. كيف
ذلك؟
-
أكان الأمر متعلقا بالانترنت أو
بالمحطات التي نتلقاها عبر
الاقمار الاصطناعية او بعمليات
التمويل المختلفة للمشاريع،
يمكن العولمة الثقافية ان توسّع
دفق التبادلات بين الثقافة
العربية والخارج، ويمكنها ان
تجعل العرب يعون انهم حاضرون في
العالم. يكفي ان نفكر في مثال
الموسيقى العربية المندمجة
اليوم في الموسيقى الغربية. اذا
ما انتبه العرب الى هذه الظواهر
واحسنوا تقديرها واستثمارها،
سوف يدركون انهم ليسوا ضحايا
دائما، وان "الشقاء" ليس في
الضرورة مصيرهم.
* دعنا الآن
ننتقل من "الشقاء" العربي العام
الى شقائنا اللبناني الخاص: ان
الصفحة الجديدة التي افتتحتها
نهاية عهد الوصاية كانت تملي
على السياسيين اللبنانيين
تغييراً جذرياً في مقاربتهم
الشأن العام، وهو التغيير الذي
لا تظهر سوى دلائل قليلة
ومتفرقة على امكان حصوله اليوم.
فعلى عاتق من يقع تحقيق حلم
المواطنين اللبنانيين بهذا
التغيير؟
-
على المواطنين اللبنانيين
أنفسهم طبعا. فالتغيير ليس
مرهوناً فقط بتبدّل قواعد عمل
الطبقة السياسية التي تدير
البلاد. بل لم يعد يعادل التوق
الى التغيير غير اليأس من امكان
حصوله في ظل طبقة سياسية تنخرها
الأنانيات ويعوقها فقدان
المعايير الاخلاقية والرؤى
المستقبلية. الناس لم ينزلوا
الى الشارع في شهري شباط وآذار
من اجل التغيير، بل من اجل
التخلص من هيمنة الحكم السوري
على لبنان والنظام الامني الذي
ارتكزت عليه هذه الهيمنة. أما
وقد حققوا هذا الهدف، فقد بات
عليهم الآن ان يشرعوا في الورشة
الثانية، ورشة التغيير، وألا
يقعوا في الفخاخ المتكاثرة على
الدرب اليها يوما بعد يوم.
* وأي فخاخ! لقد
منينا بخيبات عديدة بعد 14
آذار: كيف تفسّرها؟
- ( ينعقد
حاجباه)
لم يتنبه اللبنانيون بما فيه
الكفاية الى ان ما صنعوه
بانتزاعهم استقلالهم الثاني هذا
الربيع ليس ملكهم وحدهم. ولم
يدركوا تحديداً، لكثرة انشغالهم
بحالهم، ان "انتفاضة
الاستقلال"، رغم اهميتها
الاستثنائية في تاريخ النضالات
الشعبية العربية وتداعياتها
التي تؤكد اشكالية الديموقراطية
في المنطقة، لن تجد مكانها
الثابت في الوعي العربي الا بعد
أن يتضح مآلها الديموقراطي، وان
الصورة الجديدة المشرقة للبنان
واللبنانيين التي ابرزتها
التظاهرات والاعتصامات الكبيرة
في وسط بيروت قد تهتز إن لم
يكملها اداء سياسي مغاير
للمعهود.
* أي أداء مغاير
هو هذا الذي نصبو اليه،
والمواطن اللبناني حائر اليوم
بين شرّين: ان يتوافق اطراف
المعارضة في ما بينهم بما يؤدي
الى إلغاء مبدأ الانتخاب، أو ان
يختلفوا مجازفين بحصول خروق
وتحالفات مع شخصيات تنتمي الى
المعسكر المضاد أو "الحرس
القديم". فما رأيك أنت ونحن
شهدنا الظاهرة الأولى في
الجولتين الأوليين، وسوف نشهد
الظاهرة الثانية في الجولتين
المقبلتين؟
-
هذه الانتخابات التي طال
انتظارها هي من النوع الذي
يفضَّل نسيانه في اسرع وقت. ولا
ريب ان الحيرة التي يزكيها
تكاثر الانتخابات بالتزكية، أو
التحالفات الصادمة، هي ما يغذي
الشعور العام بالاحباط الذي يلف
الرأي العام، ويصل احياناً الى
حد القرف. هناك فارق شعوري وحتى
جمالي بين مشاهد الحشود
المتوحدة باللونين الابيض
والاحمر والمتلحفة بالاعلام
اللبنانية خلال "انتفاضة
الاستقلال"، ومشهد الشرذمة الذي
يتأتى اليوم من الحملات
الانتخابية في ظل قانون انتخابي
لا يشجع البرامج بل الولاءات
السياسية البدائية. يكفي كل من
يمر في ساحة الشهداء التي فرغت
من المعتصمين ان يتذكر مشهد
المليون ومئتي الف نسمة الذين
اجتمعوا فيها في 14 آذار حتى
يشعر بانخفاض في الضغط وتباطؤ
في النبض. قطعاً، يحق للناخبين
التوق الى شيء افضل من هذه
الانتخابات.
* لكن أين وقع
الخطأ؟
-
الخطأ وقع في اعتبار انتفاضة
الاستقلال استكمالاً لفصول
الحرب، كما فعل بعض اطراف
المعارضة. الخطأ وقع في اختزال
الفعل التاريخي بعظمة فرد،
وفقاً لفهم مبتسر للتجربة
الديغولية في فرنسا. الخطأ وقع
في جشع كل فريق الى ارضاء
مصالحه وتحقيق "انتقاماته"
الشخصية، على حساب مصلحة البلاد
العامة. الخطأ وقع ايضاً في
اعتبار الانتفاضة حركة سياسية
ذات برنامج واحد، كما يطيب
الاعتقاد لعدد من الشباب
المنخرطين فيها.
* هل تقصد أنه
لم يكن هناك حلم واحد يجمع
الذين شاركوا في الانتفاضة؟
-
لا، اذا ما استثنينا التحرّر من
الهيمنة السورية. فحتى اذا
افترضنا ان الكل اجمعوا على
التغيير والاصلاح، من الواضح
انهم لم يجمعوا على محتوى
التغيير والاصلاح. والوفاء
الحقيقي لحدث 14 آذار يكمن في
اعتباره نقطة البداية لعمل
سياسي قد يتطلب وقتاً مديداً كي
يثمر، مثلما تطلّب انهاء عهد
الوصاية نضالات طويلة وتضحيات
كبيرة لم تختصر بالنزول الى
ساحة الشهداء ذات يوم من ايام
شباط او آذار. وفي الاتعاظ منه
بأن السياسة ليست حكراً على
السياسيين، مهما حاولوا
احتكارها. اما التبرم والاحباط
والقنوط، فهذه هي تحديداً
العادات التي لم يعد لها مكان
منذ 14 آذار.
* أراك لا تزال
مصرّا على موقفك الرافض للاحباط،
رغم القدر الهائل الذي اصابنا
منه جراء استشهادك...
-
نعم، مصرّ على موقفي وأكرره:
ليس الاحباط قدرنا.
* لكن كيف لا
يحبط الناس حين يرون هذه القوة
او تلك من قوى المعارضة تجازف
بوعد التغيير من اجل حسابات
فئوية صغيرة؟ كيف لا يحبطون حين
يرون الزبائنية والمافيوية
والشراهة وجنون العظمة وكل
اللطخات التي تلوّث ما تظاهروا
لأجله في ذلك اليوم التاريخي؟
-
أنا أفهم غضب الناس من عجز
المعارضة عن ترجمة الغالبية
الشعبية التي تجسدت في 14 آذار
فعلاً مبادراً يردع المنتفعين
من نظام التبعية المنتهي. لكن
الاحباط ليس مبرراً رغم ذلك.
ليس فقط لأن العديد من المحبطين
يريدون الشيء وعكسه، بل لأن
الاحباط في معظمه ينتج من تحوير
في المفعول الرجعي لمعاني
الحركة الاستقلالية، ولا يؤدي
سوى الى طريق مسدود. المصدر
الاكبر للتململ قد يكون في شعور
المواطنين بأن لحظة الانتصار هي
لحظة للقطف، وليست لحظة
للتأسيس. ففي ازاء بعض الوجوه
التي تبدو متسلحة برؤية
مستقبلية ومسلكية سوية، بات
يهدد مشهد المعارضة انه يزخر
بوجوه اخرى لا يعنيها الا ان
تكون في المكان المناسب في
الوقت المناسب، سواء أتعلق
الامر بالانتخابات النيابية ام
بإعادة فتح الاستحقاق الرئاسي.
* والمتململون
من تلك الوجوه على حق: الا
تقتضي اعادة الاعتبار الى
السياسة ان يشعر المواطنون بأن
المعارضين ليسوا كلهم طلاب
مناصب؟
-
بالتأكيد. وما يقال عن بازار
الترشيحات الى الانتخابات
النيابية يقال مثله عن النيات
المبيتة في الاستحقاق الرئاسي
القابل للفتح. فمع اخذ العلم
بالتأجيل الحكيم لهذا الموضوع،
أرى انه معيب، بعد هذه
الانتفاضة، ان يفكر هذا أو ذاك
من الاقطاب باسماء ارتبطت لنحو
عقد من الزمن باستماتتها في
الدفاع عن "تلازم المسارين"
وتغييب الارادة الوطنية في
ادارة سياسة لبنان الخارجية كما
الداخلية. وأرى أنه مريب ان
يشعر كل سياسي ماروني، مرة اخرى،
انه مرشح للترشيح لمجرد كونه
ولد في هذه الطائفة. وأرى انه
معوق لبناء دولة تحترم
مواطنيها، ان يتم التسويق لمن
لا يمكن اعتباره "معارضاً منذ
اكثر من عشرة اعوام" او لمن
يحمل ترشيحه طابع التحدي فحسب.
* معيب ومريب
ومعوق، ولكن هذا هو الحاصل
للاسف. أنت قلت منذ وقت ليس
ببعيد: "لم يفت الاوان بعد، وإن
بدأ يفرغ الصبر". فماذا تقول
الآن؟ هل فات الأوان؟
-
لا، لم يفت الأوان، ويجب أن نظل
مؤمنين بأن الأوان لن يفوت مهما
حصل، وبأنه سيظل ممكناً استدراك
هذا الانحراف الذي يهدد
المعارضة الموحّدة كمشروع
للمستقبل، وينزع الى تحويلها
مطية للثأر. الديموقراطية لا
تعني في اي حال من الاحوال
تبييض المرتكبين، ولا مزوّري
الرأي العام. بل ان شرط
الديموقراطية، حتى تسود، سقوط
الاقنعة كلها، وليس فقط القناع
الابشع.
* خصوصا أن
الغياب الحالي للشفافية يهدد
بفتح جروح كانت بدأت تندمل.
-
حقا، ولذا اقول إن المعارضة لن
تنتصر الا اذا ادركت وقالت
ورددت ان لبنان المتحرر من
هيمنة الحكم البعثي في دمشق هو
لبنان يجب اختراعه وليس
اجتراره. ويجب أن اضيف هنا ان
منحى التشكيك في عروبة لبنان لا
يخدم تماسك المعارضة ولا صورتها
الخارجية في اللحظة التي نسمع
فيها من عدد من قادة الرأي
العربي تعويلاً على التحول في
لبنان من اجل تحريك المناخ
الديموقراطي في المنطقة. لقد
فُتحت ورشة طال انتظارها، فحذار
ان نستفظع الضجة ونؤثر عليها
عقم السكوت. كذلك لا ينفع
الاستعلاء في ادعاء تعليم العرب
الديموقراطية حين يكون اتكال
المعارضة اللبنانية على الاعلام
الفضائي العربي من اجل كسر
الصمت الذي تتواطأ القنوات
اللبنانية في التزامه بحجة
الضغط الامني عليها.
* في الحديث عن
الاعلام العربي، كيف تقوّم هذا
الاعلام القائم في معظمه على
سلطة المال؟
-
سلطة المال، أكانت خارجية ام
داخلية، لا تصنع في الضرورة
إعلاما، بل لعلها تعوق أحيانا
تفتح مواهب الاعلاميين الذين
تحشدهم. ولنا في ما حصل هذه
السنة في المشهد الصحافي
اللبناني وفي ما يحصل منذ سنوات
في مشهد الاعلام المرئي اسطع
دليل على فشل المال في ان ينتج
وحده النجاح الفكري وحتى
التجاري. في المقابل، ان السماح
باللجوء الى استثمارات طبيعية
خاصة وشفافة من الخارج يمكن ان
يساعد في شكل خاص الصحافة
اللبنانية في مسعاها الى اعادة
بناء ما دمرته الحرب فيها، ثم
فورة الاعلام المرئي والمسموع.
اذ يصبح ممكنا عندذاك ان تهتم
مؤسسات صحافية كبرى في العالم
بإقامة علاقات شراكة وتبادل مع
صحف ومجلات لبنانية، سواء أكانت
قائمة ام انها ستقوم غدا.
* كم نفتقد مجلة
"اوريان اكسبرس" التي أسستها
وترأست تحريرها بين 1995
و1998...
-
آمل أن تُستأنف تلك التجربة
يوما. يقول الفيلسوف الألماني
فريدريك نيتشه، الذي كان رفيق
قراءاتي في الأيام الأخيرة، "أن
نجرّب يعني أن نتخيل: ليس هناك
الا عالم واحد، وهو مزيّف وقاس
ومتناقض وساحر وبلا معنى. ونحن
في حاجة الى ان نتخيّل لكي
ننتصر على هذا الواقع، على هذه
الحقيقة. فمن واجبنا أن نعيش
بطريقة تجعلنا نرغب في أن نعيش
مرة ثانية". وهكذا عشت أنا.
* نيتشه قال
أيضا: "أتريد حياة سهلة؟ ابق
دائما قرب القطيع وانس نفسك
فيه". أنت الذي لم تقبل يوما
بجيرة أي قطيع، كيف تعلّق على
بند احترام حرية الرأي والمعتقد
والتعبير في دستور جمهورية
يُغتال فيها الصحافيون الأحرار
"احتراما" لحرية رأيهم
وتعبيرهم؟
- ( بنبرة
منفعلة)
الجمهورية اللبنانية توشك ان
تصبح اسماً بلا مسمّى.
الجمهورية اللبنانية في حاجة
الى انقاذ.
* ومن ينقذها؟
-
لا ينقذها الا التفاف ابنائها
حولها، فحذار ان يتأخروا.
الجمهورية اللبنانية مقام لا
يعلوه مقام، فحذار ان يستقوي
عليها اي قائمقام. الجمهورية
اللبنانية عنوان الاجتماع
الوطني، وفيها من النبوغ ما
يغنيها عن كل عبقري مزعوم.
فحذار تجنّي العباقرة عليها، كل
العباقرة. لا رؤساء من دون
جمهورية ولا وزراء ولا نواب ولا
مديرون عامون، مهما علا كعبهم
او هبط. الجمهورية اللبنانية لن
تبقى اذا لم يتذكر كل واحد منا
انها اسمه الاول، واذا لم يصبح
السياسيون والاعلاميون اكثر
حرصا على كرامتهم وكرامة
السياسة في هذه البلاد، واقل
خوفاً عندما يرجمهم رجال الأمن
بالشتائم والتهديدات
والابتزازات.
* أوصلتني الى
كتابك "عسكر على مين": ما قصّة
الشعار الذي استوحيت منه عنوان
هذا الكتاب؟
-
إنه شعار مدموغ بالاحمر ظل
لسنوات على احد الجدران في حي
بربور بالمزرعة. كان شعاراً
نادراً، لم يتكرر جداراً بعد
جدار على غرار غيره من عبارات
التعبئة، ربما لانه كان في
الاصل من صنع شاعر. "انا شعبي
اكبر يا عسكر"، كان يقول
الشعار، وقد خطته يد مجهولة
استفزتها على الارجح حكومة
العسكريين في بدايات الحرب.
وأردت من خلال الكتاب وعنوانه
هذا أن اسأل الأجهزة الأمنية
التي كانت ترهب البلاد وتحكمها
بقبضة من حديد: "عسكر على مين؟
على المواطنين والآمنين"؟
التذاكي، حين لا يستطيع الركون
الى آلة الابتزاز، انما يدور في
الفراغ. وها أنا أردد اليوم:
لقد ذهب النظام الامني، فليكن
ذهاباً من دون رجعة.
* وماذا عن
المتزلفين والمتحذلقين
والزاحفين؟ لم يذهبوا. ما زالوا
هنا.
-
في رأيي أن الانكى من انحدار
ناثر الغزل هو انحدار الذوق عند
المتغزّل بهم. لكن ثمة شيء آخر
اكثر مرضيّة من التزلّف او
التطبّع او التبعية: انه خواء
الحياة العامة من الهموم العامة
وامتلاؤها بالمشاحنات الخاصة.
"البلد يسير الى الهاوية؟ لا
تكترثوا، المهم ان تكمّل
المسرحية". كأن لا حياة لمن
تنادي... ولكن لا مفر من ان
تأتي اللحظة التي ستفرغ فيها
جعبة الزجالين في بلاد "القبر
المفتوح" هذه، كما وصفتها يوما
"مشكورةً" جريدة "البعث".
* سؤال منهجي
سبق أن طرحته بدورك يومذاك:
عندما يكون القبر مفتوحاً، كيف
تخفي النعامة رأسها؟
-
تحاول أن تقنع الجميع بأنهم لا
يستطيعون رؤيتها. وتصدّق أنها
اقنعتهم بأنهم لا يستطيعون
رؤيتها. وهم يصدّقون بأنها
صدّقت انها أقنعتهم.
* كقصّة "الملك
العاري" لشفارتز، الذي يصدّق
انه يرتدي أجمل الأثواب ويقنع
رعاياه "بالقوّة" بذلك؟
-
تماما.
* بما أننا
أتينا على ذكر "الملك العاري"،
ما رأيك بزعمائنا العرب؟
-
اراهم جميعاً في القمة الوحيدة
التي يأنسون اليها: قمة العيب.
* لطالما ردّدت
أن مكمن عجزهم هو فلسطين، وان
فلسطين هي ما يكشف العجز
العربي. فماذا عن فلسطين التي
حملت همومها؟ ماذا عنها بعد
عرفات؟
-
قد يكون عرفات فشل في الحصول
على الاستقلال الفلسطيني، وقد
يكون أخفق في بناء أسس الدولة
التي يصبو اليها الفلسطينيون.
ومن المؤكد انه عجز عن تحقيق حق
العودة لجميع اللاجئين
الفلسطينيين، هذا بالافتراض انه
تجوز محاسبته بمفرده على
اخفاقات تعود في اساسها الى عجز
الدول العربية عن ان تكون دولاً
وعربية. لكن، ما لا يمكن انكاره
على عرفات هو انه نجح، حصاراً
بعد حصار، وفي ظروف حالكة على
الدوام، في ان يقود شعباً شبه
اعزل في مواجهة مع قوة نووية،
وان يصل بهذه المواجهة حتى
ابواب القدس. ورغم الفشل
العسكري للمقاومة، وانزلاقها في
المتاهات العربية، واخفاق
السلطة الوطنية في التحول دولة
مستقلة، ورغم حتى تراجع نطاق
الحكم الذاتي، ما من شيء يمكن
ان يخفف من حجم انجاز عرفات
المتمثل في عودة فلسطين الى
خريطة العلاقات الدولية، بعد
انجاز اولي شكلته عودتها الى
تصدّر الهم العربي. لذلك، ردا
على سؤالكِ حول فلسطين بعد
عرفات، أرى انه لا بد من
الاستمرار في الغرف من ارثه،
وخصوصاً لجهة التسلح بشيء من
المرونة امام الديبلوماسية
الاميركية من اجل صمود افضل
امام اغراءاتها القليلة
والخادعة. وهذا يتطلب تحديداً
من القيادة الفلسطينية الجديدة
ان تسعى في الدرجة الأولى الى
وضع حد لفوضى الانتفاضة
المسلحة. وهي إن فعلت، فإنها لن
تكون وفية لإرث عرفات فحسب، بل
تكون قد نجحت في ابقاء صاحبه
حياً.
* للغرب أيضا
دور في ذلك...
-
بل ان له دورا جوهريا. ليس ثمة
أمن من دون حرية، وانا من
المدافعين عن شرق اوسط ليبيرالي،
ولكن لكي يكون هذا الأمر ممكنا،
يجب ان يكون الغرب الليبيرالي
ليبيراليا هنا أيضا، اي في
شرقنا الأوسط. ينبغي إذا لهذا
الغرب أن يتخلى عن دعمه
الكواليسي للانظمة
الديكتاتورية، حتى تلك التي
يعتبرها معتدلة وحليفة له.
وينبغي له خصوصا أن يعي أن
اهمية الشرق الاوسط
الاستراتيجية لا تبرر حرمان
الشعوب حقها في تقرير مصيرها،
ويعني ذلك في الدرجة الأولى
الفلسطينيين.
* في هذا
الموضوع كتبتَ مع فاروق مردم
بيه "المسالك من باريس الى
القدس - فرنسا والصراع العربي
الاسرائيلي". لماذا "من باريس
الى القدس"؟
-
لأنه منذ نشوئها وحتى
الخمسينات، كانت القضية
الفلسطينية تُرى في باريس من
خلال الموشور الاستعماري. على
غرار بريطانيا العظمى، اتخذت
فرنسا موقفها من المشروع
الصهيوني بناء على شهواتها ازاء
هذه البقعة من الارض التي كانت
تعتبرها "حصتها"، مع بقية
سوريا. في البدء كان موقفها
معاديا، ثم متساهلا، فالى متحفظ
من جديد، حتى انضوت أخيرا، في
خضم حماسة قياداتها السياسية،
تحت لواء عرّابي دولة اسرائيل
|