جماليـــات

إضــــــاءات

حــوارات مقـــــــالات تر جمــات دراســـات نصــوص سرديــة بطاقـة تعريـف   
للاتصـــــــال خدمــــــــات

خــــــاص

مواقع مفضلـة مواقع صديقة مكتبات الموقع كشك الموقـع موارد نصيــة

 

 
 
 

ابحث في الموقـع

 

 

 

 

 

جمانة حـداد (لبنـان)

القلم الأجير: ظاهرة قديمة في الأدب أثيرت حولها الفضائح

 في كل الأزمنة

دراسـة

 

القلم الأجير: ظاهرة قديمة في الأدب أثيرت حولها الفضائح في كل الأزمنة

بقلم: جمانة حـداد

 

أحقاً كَتَبَ كورنيّ لموليير ولجأ شكسبير الى كتّاب مرتزقة؟

 


"كم أحتقر كَذَبة الأدب ومزيَّـفيه! قد لا تكون كأسي كبيرة، لكني لا أشرب إلا من كأسي" (الفرد دو موسيه)


هل تطفح الأفكار من رأسك لكنك لا تجيد صوغها في كلمات؟ هل عشت حياة مثيرة تصلح لأن تكون رواية ضاربة، لكنك تفتقر الى ملكة الكتابة؟ هل أنت موهوب "نظريا" وعاجز أو كثير المشاغل "تطبيقيا"؟ لا تحمل أي همّ، ثمة حل لمشكلتك: إنه "القلم الأجير"، الذي سيتلقف بنات أفكارك ويدللها ويعجنها ويسقيها ويسهر عليها، حتى تولد على الورق كأعجوبة، وتحمل اسمك باعتزاز، وتجعلك كاتبا – أبا بالتبنّي. هكذا ترى عشرات بل مئات "أشباه الكتب" النور كل سنة، فالكتابة بالانتداب ظاهرة تزداد رواجا يوما بعد يوم في العالم الغربي، وتشبه الى حدّ بعيد وظيفة الأمّ الحاملة أو الناقلة la mère porteuse، الرائجة بدورها، بكل ما تتطلبه مرحلة الحمل، في الرحمَيْن البيولوجية والذهنية على السواء، من تلقيح فعناية بالجنين، وبكل ما تفرضه لحظة التخلي عن المولود عند الانجاب من ألم ومعاناة وانسلاخ عن الذات، وبكل ما يستتبع الصفقة من شروط، ليس أقلها صعوبةً شرط تسمية المولود بإسم طالبه و"مشتريه"، لا بإسم خالقه الحقيقي.


لا تسألوا
الحافز الراهني لخوض الموضوع كتابان صدرا حديثا بالانكليزية: الأول في لندن بعنوان "مهنة الشبح: حياة مزدوجة" لجيني اردال، والثاني في الولايات المتحدة الأميركية، وهو "النفخ في البوق" بقلم ريتشارد توفل. أما كتاب الاسكوتلندية اردال، فسيرة ذاتية تكشف فيها النقاب عن وجهها الثاني، الخفي، على مر عشرين عاما، الا وهو وجه الكاتبة "الشبح"، كما توصف المهنة في العالم الانغلوساكسوني، وهي تسمية أجمل بكثير من التسمية الفرنسية، أي "الكاتب الزنجي"، ذات الايحاءات العنصرية، والتي تحيل الى مفهوم العبودية المرتبط بالعرق الأسود، وكانت بدأت تظهر في فرنسا في اواخر القرن الثامن عشر. 
هذا هو الكتاب الأول الذي توقّعه جيني اردال، المتخصصة في الادب الروسي، باسمها، بعدما كتبت عددا كبيرا من الأعمال والروايات الناجحة لرئيسها، وهو كاتب وناشر بريطاني تلقبه بـ"النمر"، فضلا عن أنها كتبت له أيضا المقالات والحوارات والرسائل (حتى رسائل الحب الى زوجته). وهي تتحدث في كتابها هذا عن حياة الكاتب الشبح الداخلية، وكيفية تعامله الممّحي مع نصه وعلاقته الجدلية بالكتابة، وعن طرق تسلله الى رأس الآخر ومنطقه وآلية تفكيره، وعن اندرغراوند النشر والاوساط الادبية. وقد اثار الكتاب فضيحة في بريطانيا عند صدوره، ولم يزل يصنع الحدث على رفوف مكتبات لندن، اذ تعرّف القراء بسهولة الى هوية النمر الشهير، وهو رجل الاعمال ذو الاصل الفلسطيني نعيم عطالله، الذي نشر لتوه أيضا مذكرات حول طفولته في الناصرة في الاربعينات.
تصف الشبح "التائب" اردال نفسها بالعاهرة، وتشرح: "شعرتُ بالحاجة الى الرحيل قبل ان اختنق تماما تحت مياه حياتي السرّية". لكنّ لهجتها لا توحي بنية تصفية الحسابات، والبورتريه الذي ترسمه عن نعيم ودودٌ بمعظمه. من الواضح أن الأصل هنا لا يريد ان يقتل القناع، بل أن يخونه فحسب، أي أن يتخلّص منه ليتحقّق. وهي تقول في أحد المقاطع: "الكتابة نيابة عن شخص آخر تشبه ترجمة نص عن لغة اجنبية: كلما كان المترجم خفيا، جاءت النتيجة أكثر اتقانا". وليست اردال الاولى التي تستخدم هذا الوصف، فكثر يصفون المترجمين بـ"مرتزقة" الكاتب في لغات اخرى. 
أما الكتاب - الفضيحة الآخر، عند الجهة المقابلة من الأطلسي، فإصدارٌ جديد لريتشارد توفل يعالج قضية قلم أجير من نوع ثان، عهدناه في الحياة السياسية العالمية والمحلية، ألا وهو قلم كاتب الخطب. ويتمحور كتاب توفل بكامله حول خطاب واحد تحديدا، ولكن ليس أي خطاب: انه خطاب الرئيس كينيدي الافتتاحي الشهير عام 1961 ("لا تسألوا ماذا يمكن بلادكم ان تفعل لأجلكم، بل اسألوا ماذا يمكنم انتم ان تفعلوا لأجل بلادكم")، الذي عُرف بالخطاب الاكثر شعرية والأجمل صياغة ومضمونا في تاريخ رؤساء اميركا، والذي يقدّم توفل اثباتات على أن كاتبه الحقيقي ليس كينيدي بل مساعده و"أجيره" ثيودور سورنسون. التهمة نفسها والشبح نفسه كانا الصقا في ما مضى بكتاب كينيدي "سير شجعان"، الذي حاز عليه جائزة بوليتزر عام 1957، ويروي فيه بطولات 8 سيناتورات اميركيين بارزين (من امثال جون كوينسي آدامز وسام هيوستون). وقد دافع كينيدي عن نفسه بشراسة يومذاك، ودحض التهمة. ويأتي كتاب توفل كرد على كتاب صدر العام الماضي لثورستون كلارك في عنوان "لا تسألوا: افتتاحية كينيدي والخطاب الذي غيّر أميركا"، الذي يؤكد فيه ان لا يمكن احدا ان يكون قد كتب الخطاب الا كينيدي نفسه، وان الافكار التي يتضمنها هي افكار لم يفتأ كينيدي يعبر عنها منذ بدء انخراطه في الحياة السياسية. سورنسون من جهته استنكر هذه الادعاءات، مؤكدا في شكل قاطع ان الرئيس كينيدي هو صاحب الخطاب الحقيقي والوحيد.
ويصف المحامي توفل مراحل تكوّن خطاب كينيدي، المؤلف من 51 جملة، بأدق تفاصيله، كلمة بكلمة، بناء على وثائق واثباتات ومراجع. ومن المساهمين الآخرين في الكتابة الذين يذكرهم، ادلاي ستيفنسن وجون كينثي غالبرايث. تجدر الاشارة اخيرا الى ان عددا من المتخصصين في سيرة الرئيس الكاريزماتي الراحل كشفوا منذ بضعة اعوام ان الجملة الاكثر شهرة من الخطاب ("لا تسألوا") يعود مصدرها ربما الى أيام كينيدي كتلميذ على مقاعد مدرسة "شوت" في كونيكتيكت، حيث كان الاستاذ يذكر تلاميذه باستمرار بأن ليس المهمّ "ما تفعله لكم مدرستكم، بل ما يمكنكم انتم ان تفعلوا لها".


ليته قرأ كل ما كتب!
على العكس من الغرب، حيث مهنة الكاتب الذي يؤجّر موهبته منظّمة وممأسسة، لا وجود لهذه المهنة في عالمنا العربي رسميا، بل تدخل المسألة ومناقشتها في إطار التابو، اذ ارتبط المفهوم حصرا بإشاعات وفضائح راجت على مرّ السنين حول كتّاب كُتبت لهم كتبهم (ومعظم تلك الشكوك حامت حول كاتبات وشاعرات)، لكنها نادرا ما تجاوزت إطار التحامل والاشاعة، الناتجين في معظم الحالات من آفة "الذكورية" الأدبية، لتصبح واقعة ثابتة ومبرهنة. "الأشباح" موجودة طبعا في بلداننا، لكنها إما أشباح طوعية ومتطوّعة، غير مدفوعة بحافز المكسب المادي بل بالرغبة في تقديم المساعدة لأسباب متنوّعة أو طمعا في مصالح من نوع آخر، أو هي تجني رزقها من كتابة الأطروحات الجامعية والمحاضرات والخطب، وأيضا وخصوصا من كتابة المقالات الصحافية.
رغم بعض الاستثناءات التي أثمر فيها "الكاتب الظل"، كما يسمّونه في ايطاليا، عن أعمال أدبية رفيعة المستوى، على غرار ما حصل مع "فريق أجراء" ألكسندر دوما مثلا، غالبا ما يكون نتاج المرتزِق كتابة "صناعية" تنفيذية زائلة، تنتج "اشباه كتب" كما ذكرنا في البدء. وعلى رأس لائحة اشباه الكتب هذه سير المشاهير المزدهرة منذ عشرينات القرن الفائت. ممثلون ومغنون وراقصات وراقصون ومقدّمون إذاعيون وتلفزيونيون ورجال أعمال وعارضات ازياء، كلهم مروا تحت ريشة الأجير المنقذة: بريجيت باردو، جوني هاليداي، نعومي كامبل، منى ايوب، اديث بياف، كارن مولدر، الخ... هنا مغن مشهور يروي حياته الطافحة بالاثارة والمخدرات والكحول، وهناك ممثلة كبيرة تشاركنا مسلسل مذكراتها الغرامية، وبينهما ابن عم زوجة شقيق احد نجوم الروك الذي يكشف أسرارا قاتمة عن "قريبه" النجم المحبوب. كذلك، نادرة هي سير السياسيين المكتوبة بأقلامهم، فهم اكثر "انشغالا" بشؤون الناس والبلاد من ان يكتبوا، وتوقيعهم يكفي، ومنهم بيل كلينتون والديكتاتور فرانكو، وحتى جورج بوش. في هذا الإطار جملة قاطعة كالسيف قالها الكاتب والفيلسوف الاسباني اوخينيو دورس في احد الايام عن وزير العدل ادواردو آونوس الذي اصدر عشرات الكتب: "كم كان وزيرنا ليكون مثقفا لو قرأ كل الكتب التي كتبها!".
 هناك ايضا الأقلام الأجيرة المتخصصة في كتابة قصص الناس العاديين: رجل أصيب بمرض السرطان ويريد ان يروي كيف استطاع ان يهزمه، فتاة تمكنت من ان تخسر 40 كيلوغراما في ستة اشهر وترغب في ان تعطي وصفتها، امرأة تعرضت للضرب او للاغتصاب وتودّ ان تسرد تجربتها لتطرد شياطينها، وجدة تحلم ان تقصّ حياتها على أحفادها. يكون الكتاب في تلك الحالة شهادة، أو شكلا من اشكال العلاج، وثمة دور نشر متخصصة في طباعة كميات محدودة من هذه الاعمال، التي كثيرا ما يكون الهدف الوحيد منها توزيعها على افراد العائلة والاصدقاء.


الكبار أيضا فعلوها
بعيدا عن المنتجات التجارية، شهد تاريخ الادب الحقيقي بدوره، ولم يزل يشهد، حالات لجوء الى اقلام أجيرة. وقد تكون اشهر قضية على هذا المستوى قضية الكساندر دوما وشبكة أشباحه الواسعة والمتشعّبة. اذ يحكى ان احد مرتزقة دوما توفي فجأة، فوقع الكاتب في ورطة وأصيب بحال اكتئاب لأنه كان أوكل الى الشبح الراحل كتابة مخطوطة، وكان التزم تسليم المخطوطة سريعا لإحدى دور النشر. ولكن بعد أيام، دق بابه رجل مجهول وقال له: "اليك المخطوطة يا سيد دوما". "من انت؟"، سأله دوما بتعجّب، فأجابه المجهول مبتسما: "أنا أجير أجيرك!".
سمعنا الكثير أيضا عن ان بيير كورنيّ كان يكتب لموليير، بعدما بيّنت ذلك دراسة دقيقة لمفردات كل من الكاتبين، أظهرت ان "تارتوف" و"دون جوان" و"مدرسة النساء" وغيرها من تحف موليير هي في الحقيقة بقلم صاحب "لو سيد". كذلك شكسبير اتهم باللجوء الى خدمات كتّاب مرتزقة، وقيل ان كوليت بدأت تجني عيشها، قبل أن تصبح كاتبة مشهورة، بتأجير قلمها. وليس استخدام الأجراء حكرا على الكتّاب وحدهم، فكبار الرسامين، من امثال ليونارد دافنشي، كانوا يلجأون الى خدمات رسّامين أجراء يمهّدون لأعمالهم ويضعون الأسس.
في عودة الى الأدب، وتحديدا الى المعاصر منه، اتهم الروائي الاسباني الكبير الحائز نوبل الآداب كاميلو خوسيه ثيلا منذ اعوام باستخدام قلم اجير، وقد وقعت الفضيحة عندما نشر الكاتب والصحافي توماس غونزالس يبرا كتابه "تفكيك ثيلا" الذي يشير فيه الى ذلك ويقدّم اثباتات على كلامه. واتهم ثيلا ايضا بالنحل في روايته "صليب سان اندريس" التي نال عليها جائزة "بلانيتا" الأدبية.
في اسبانيا فضائح أخرى، ابرزها ربما قضيتان لا تدخلان ضمن إطار القلم الأجير بقدر ما تنتميان الى نطاق الدعم الطوعي والمجاني، وهما تقعان على الطرف النقيض مما تعوّدنا عليه من إشاعات "نسائية" في عالمنا العربي،: اذ بيّنت الدراسات أن ماريا ليخاراغا هي التي كتبت لزوجها المسرحي الشهير غريغوريو مارتينيث سييرا كل كتبه ومقالاته الصحافية، حتى بعدما تركها من أجل ممثلة شابة، وان اميليا بارد باثان كتبت لصديقها المؤرخ بينيتو بيريث غالدوس معظم اعماله.
الفرنسيون ماريك هالتر وجيرار دو فيلييه وريجين ديفورج وجاك اتالي، والوزير السابق جاك لانغ، والاميركي طوم كلانسي، والايطاليان ماتيو باسكينيللي وكورادو سبيناتي، هؤلاء جميعا وآخرون نالت منهم إشاعة اللجوء الى كاتب ظل. وهناك من الكتّاب من لا يخفي واقع لجوئه الى اشباح، فيقول سوليتزر، كاتب البست سيللر المعروف: "من لديه الوقت للكتابة؟ انه عمل ممل ومتعب وميكانيكي. تعج في رأسي أفكار كثيرة رائعة، فأوكل الى آخرين كتابتها. اعطي الفكرة والهيكلية والمسار، وتأتي النتيجة افضل مما لو كتبت الكتاب بنفسي. فما العيب في ذلك؟". لا عيب، خصوصا اذا ما تأملنا في نوعية كتب سوليتزر التجارية وغير الطموحة ادبيا. لكننا مضطرون رغم ذلك الى معارضة تشيكوف في قوله ان "فرادة نص ما لا تكمن في اسلوبه بل في فكرته"، لأن الكتابة الابداعية لا تُختصر بالفكرة، بل ان الصياغة واللغة والاسلوب عناصر جوهرية منها. ومن البديهي ان يكون البعدان، المضموني والاسلوبي، غير قابلين للانفصال عند تقويم نص أدبي حقيقي.


ابتهج ستصبح كاتبا
ثمة ايضا من الكتّاب من كان "ظل" نفسه، في حالات جميلة وفريدة من نوعها من خلق الانعكاسات أو من التكاثر الأدبي، على غرار بيسوا الذي كتب لبرناردو سواريس والفارو دي كامبوس وريكاردو ريّس وآخرين، ورومان غاري الذي كتب لإميل أجار. لكننا سنعود الى مسألة الاسماء المستعارة في مقال لاحق، رغم اني لا افهم قيام عدد كبير من الكتّاب والزملاء بالكتابة بأسماء مستعارة - إلا عندما يكون الأمر لضرورة "أمنية" في فراديس حرية التعبير العربية. قد يُحتمل الأمر في مقال، ولكن ان يخلق مبدع كتابا كاملا، ان يسهر عليه ويضع روحه فيه ويعود الفضل فيه لمجهول أو لآخر، فأي قدرة على نكران الذات تتطلب فعلة كهذه؟ اليس اسم الكاتب جزءا لا يتجزأ من هوية النص ومن متعة مشاركته مع الآخرين (أو على الأقل من "قرار" مشاركته، بما ان البعض يزعمون أنهم ينشرون "مكرهين"، - ونتساءل ما الذي يكرههم في هذه الحال ومن ولماذا؟).
اما على الانترنت فحدّث ولا حرج: صفحات وصفحات من الاعلانات من جانب شركات ومؤسسات تقدم خدماتها "الكتبجية": "اذا كنت تجد صعوبة في وضع كلماتك على الورق، لكنك تملك فكرة رائعة لكتاب، وتبحث عن مساعدة لاخراجها من داخلك، ابتهج! لدينا فريق كامل من الكتاب المحترفين المستعدين لمساعدتك".  وتراوح الخدمات من التصليح البسيط الى الكتابة الكاملة مرورا بإعادة الكتابة، وتراوح نوعية النصوص من الرسالة والمقال والخطاب ونذور الزواج (نعم، صدّقوا!)، وصولا الى السيناريو والرواية، مرورا بالسيرة والذكريات والشهادات. الشعر وحده ناج حتى الان من هذا القطاع "الخدماتي"، اذ لم اجد في اي من تلك الشركات عرضا لكتابة قصائد. طبعا لا يعود السبب الى احترام هؤلاء البائعين هالة الشعر وحرمته، بقدر ما يعود الى واقع كون الشعر نفسه مادة غير تجارية وغير دسمة مكاسبيا. في إطار الانترنت ايضا، وتحديدا ضمن ظاهرة الـ"بلوغ" blog (أي المنتديات التفاعلية ودفاتر اليوميات الالكترونية)، هناك "بلوغات" لكتّاب كبار من أمثال فوينتس واوستر وموتيس، تديرها أقلام اجيرة مهمّتها الحديث باسم الكاتب، فتجيب يوميا عن رسائل القرّاء وتساؤلاتهم، وتناقش معهم افكارا واقتراحات.


المثلث السحري
يؤكد نابوكوف أن "سرقة نص من كاتب هو أكبر إطراء له"، بينما يقول انطونيو مونيوث مولينا: "اذا كانت الكتابة تعني ان نروي شيئا هو التعبير الأكثر صدقا وأصالة عنا، فمن العبث ان نستعير لأجل ذلك كلمات آخرين". ولكن بين السرقة والاستعارة، ليس ثمة قانون يحكم آليات اللجوء الى قلم أجير، يوازي قانون حماية الملكية الفكرية في البلدان المتطورة. ففي حين يحاسب هذا القانون على استعارة نص ما من دون اذن صاحبه، لا تخضع استعارة النص وتبنّيه "مع" اذن صاحبه وموافقته، اي استئجار قلم، لأي رقابة أو تنظيم قانونيين. ولكن ثمة في بعض البلدان شبكات لحماية حقوق المرتزقين، على غرار "زنجي لمجهولين" التي اسسها الفرنسي غيوم موانجون عام 1998، وهو الذي كتب ما يزيد على 200 كتاب كأجير. وهدف المنظمة تحديد لائحة أسعار ثابتة وبلورة آداب ممارسة المهنة وتنظيم المنافسة وتوزيع المشاريع، وربما نشهد قريبا ولادة "اتحاد الكتّاب الزنوج". ويستاء الكتّاب المرتزقة ممن يتعامل معهم بخفة وينظر اليهم نظرة دونية، فهم كتاب جيدون، على ما يؤكدون، ولكن سيئو الحظ. بعضهم يكتب صباحا لشخص آخر، ويكتب ليلا لنفسه، مما يتطلب موهبة انفصام الشخصية الكتابية، لا بل موهبة تعدد الشخصيات على الأصح. انه نوع من الـ ménage à trois، مثلث سحري بين الكاتب والشبح والنصّ. ونادرون هم الأشباح الذين توضع اسماؤهم على الكتاب، ولكن هذا يحصل أحيانا بصيغة "بالتعاون مع فلان"، او "رواها فلان"، الخ...  أما اذا ورد إسم الأجير فبخط صغير ميكروسكوبي غالبا، حد انه لا يقرأ. أما الأتعاب فتراوح بين 3000 و6000 دولار في الولايات المتحدة، وبين 2000 و5000 يورو في اوروبا، بحسب نوعية العمل ومستوى المرتزِق الموكلة المهمة اليه وسيرته وانجازاته السابقة. وثمة من يفضل التعامل مع أجير واحد كل مرة حفاظا على "اسلوبه" الكتابي المستعار.


المهرّج الحاقد
يقول الكاتب برونو تيساريك، وهو كان أجير باتريك هنري، في كتابه "آلة الكتابة": "مهنة القلم الأجير تقوم على منح أفكار للأغبياء ومنح أسلوب للعاجزين". فصحيح ان قلة من الأشباح مستعدون لذكر اسماء مستخدميهم - "وهل يقتل المرء الدجاجة التي تبيض ذهبا؟" يقول باتريك رامبو الذي نال جائزة غونكور عام 1997 على روايته "المعركة - لكن معظمهم يحبذون انتشار الاشاعات والشكوك التي يرون فيها "انتقاما" لهم. القلم الأجير غالبا "مهرّج" حاقد وطافح بالمرارة، ويؤكد الشبح الاسباني جوان خوسيه مياس ان ثمة ضغينة تزداد مع الوقت في نفس الشبح بسبب حصول آخر على الشهرة والمديح والمال. دان فرانك الذي كتب في حياته ما يزيد على خمسين كتابا لآخرين، يتحدث من جهته عن ضرورة ان يخرج "الكاتب الظل" من جلده وان يتعامل مع المسألة ببرودة وبشيء من حس الفكاهة كي لا "يقتله القهر".
الأقلام الأجيرة عملاء سريون، تماما كعناصر الاستخبارات، وعندما تعرف هويتهم يصبح ضروريا "التخلص" منهم (بالمعنى المعنوي طبعا)، علما أن الفضيحة لا تدمر فقط سمعة الكاتب، بل أيضا سمعة أجيره، اذ لن يعود احد يلجأ الى خدماته بعد ذلك. ولكن رغم المخاطر ينقلب فرانكشتاين على خالقه احيانا، خصوصا عندما يلاقي الكتاب نجاحا كبيرا، فتتملك الظلّ الرغبة في الكشف عن اوراقه لأسباب معنوية ومادية على السواء، فيلجأ الى المحاكم لتحصيل حقوقه، وهو ما فعله اتيان دو مونبوزا وآن براغانس مثلا. ولكن مهما كان الأجير موهوبا، يميل الناس الى تصديق الكاتب، لأن اسم الكاتب الشهير أهم من موهبة الاجير، وغالبا ما يكون هذا الاسم وحده، بمعزل عن نوعية النص ومستواه، كفيلا بجعل العمل "بست سيللر". وجميعنا نعرف قصّة الكاتب الكبير الذي قام، بناء على رهان مع صديقه، بإرسال مخطوطته الجديدة الى دار نشره بإسم شخص مجهول، فرُفضت المخطوطة بحجة "ركاكة النص" رغم ان الكاتب نفسه كان قد نشر قبلا عشرات الروايات لدى دار النشر ذاتها. ويلجأ بعض الاشباح الى وسائل "زكزكة" خفية والى نصب افخاخ توقع الكاتب في ورطة، على غرار ذاك الشبح الذي أدخل في الرواية المزعومة للمقدمة التلفزيونية الاسبانية انا روزا كنتانا، مقاطع كاملة من كتاب للروائية الأميركية دانييل ستيل من دون ان يضعها بين مزدوجين ومن دون ان يذكر مصدرها، مغيّرا اسماء الابطال من اسماء أميركية الى اسماء اسبانية، مما تسبب للكاتبة بتهمة السرقة الادبية. وقد بيع من الرواية، "طعم مرّ"، ما يزيد على مئة الف نسخة، وأدركت طبعتها السابعة. وعندما كشف الأمر نفت "الروائية" الحديثة النعمة كنتانا اللجوء الى كاتب أجير، وأكدّت أن جل ما حصل هو غلطة "كمبيوتر".


جريمة ضرورية
نصل أخيرا الى أقلام أجيرة من نوع خاص، هي تلك التي تعمل في دور النشر باسم مدقق او محرر، علما ان التحرير قد يصل الى حدود اعادة الكتابة الكاملة للعمل. ويؤكد العارفون في قطاع النشر في اوروبا ان ما يزيد على خمسين في المئة من الكتب المنشورة تخضع لعملية اعادة كتابة بمبضع "زنجي" دار النشر، وهي عملية قد تتضمن في ما تتضمن، باعتراف كتّاب أصدقاء، اضافة شخصية من هنا والاستغناء عن اخرى من هناك، وتغيير الجملة الأولى لجعلها اكثر "إغراء" وربما حتى تغيير النهاية لجعلها أكثر "إدهاشا". وتجدر الاشارة ايضا الى جذور مهنة "القلم الأجير"، وهي مهنة "الكاتب العمومي" التي كانت رائجة في الازمنة القديمة – ولم تزل في بعض البلدان – عندما كانت الابجدية في يد نخبة يلجأ اليهم الناس لتدبير شؤونهم.
كيف يمكن شخصا لم يقرأ في حياته على الارجح سوى التعليقات على صوره في المجلات، ان يقنعنا بأنه باض فجأة كتابا من 400 صفحة؟ وعلى الضفة الأخرى، كيف يمكن كاتبا أن يتجاوز ما تفرضه العلاقة مع النص من امومية وأنانية وتعلّق وتملّك؟ مهما كانت التسمية المستخدمة لوصف متقمّصي الكتّاب: القلم الأجير، أو الكاتب المرتزق، او الشبح، او الظل، او نائب الكاتب، او الكاتب المنتدب، او مومس الكتابة، او الكاتب الزنجي، الخ... لا بد، في حال الموهبة الحقيقية، أن يكسر الظل المرآة ويخرج منها. لا بد أن يرحل الشبح، ويبقى الأصل.
(عن جريدة النهار)
www.joumanahaddad.com
joumana333@hotmail.com

 

"يمكنك أن تقطع الصنوبرة. لكنك لن تفصلها عن عروقها"

ادمون جابِس

 

 

كيف أقدّمه وهو سمير قصير، وماذا أقول بعد كل ما قيل عنه وفيه؟

عندما انفجرت قنبلة الغدر في قلبه وقلوبنا صباح الثاني من حزيران 2005، كان يبلغ من العمر 45 عاما وشهرا واحدا إلا يومين. 45 عاما وشهرا إلا يومين، أمضى معظمها يكبر ويزداد ويدرس ويقرأ ويفكّر ويحبّ ويعطي ويلمع ويستفزّ ويولّد ويستطلع ويهدي.

كيف تخمد إصبع ديناميت بركانا؟ كيف تنخر نملةٌ جبلا؟ كيف يقتل خوّافٌ أسدا؟

لأنه أسد. لأنه أسد تحديدا. فالأسد لا ينظر وراءه كل لحظة كالخوّافين. يقول كلمته، ويمشي الى الأمام. بل هو الأسد يدلّ الأمام أين الأمام.

*

أنا اليوم لا اريد أن أكتب وجدانا عن سمير. لا اريد ان اكتب عاطفة لا أريد ان اكتب حقدا لا اريد ان اكتب دموعا لا اريد ان اكتب حسرة لا اريد ان اكتب اتهاما لا اريد ان اكتب نقمة لا اريد ان اكتب انتقاما لا اريد ان اكتب تحليلا لا اريد ان اكتب استنكارا لا اريد أن اكتب رعبا لا اريد ان اكتب صراخا لا اريد ان اكتب انينا لا اريد ان اكتب رأيا لا اريد أن اكتب ذكرى لا اريد ان اكتب عنادا لا اريد ان اكتب استسلاما لا اريد ان اكتب يأسا لا اريد ان اكتب تمزّقا لا اريد ان اكتب وفاء لا اريد ان اكتب تحية لا اريد ان اكتب اعجابا لا اريد ان اكتب كفرا لا اريد ان اكتب إدانة لا أريد ان اكتب قهرا ولا أريد لا أريد ان اكتب وداعا ...

وأيضا:

أنا اليوم لن اكتب سيرة سمير. لن اكتب الانسان لن اكتب الكاتب لن اكتب المثقف لن اكتب المفكّر لن اكتب الباحث لن اكتب الأب لن اكتب المحاضر لن اكتب الصحافي لن اكتب الابن لن اكتب الزوج لن أكتب السياسي لن اكتب الاستاذ لن أكتب الصديق لن أكتب الأخ لن اكتب القتيل لن اكتب الشهيد لن اكتب الرجل لن اكتب مزايا الرجل لن اكتب خصاله لن اكتب الذكاء لن اكتب الثقافة لن أكتب الحرية لن اكتب البصيرة لن اكتب الشهامة لن أكتب الشباب لن اكتب الابتسامة لن أكتب الزهو لن اكتب التوقّد لن أكتب الوسامة لن اكتب الألق لن اكتب الحلم لن اكتب النباهة لن اكتب البريق لن اكتب العناد لن أكتب الاندفاع لن أكتب الفروسية لن اكتب الاستقامة لن اكتب الرؤيوية لن اكتب الموهبة لن اكتب الجرأة لن اكتب الشجاعة لن اكتب الألم لا لن اكتب آلام حنا وليلى وجيزيل وميساء وليانا وسليمان ووليد والياس وعقل وغسان وجبران وفاروق وزياد ونواف وسحر وباسكال وأيمن وكارمن وميّ وآلام المئات والألوف من اصدقائه واقربائه وطلابه وقرّائه وغربائه ممن احبّوه واحترموه وخسروه...

ماذا بقي أن اكتب إذاً؟

بقي كل شيء. بقي أن – أحاول أن - أترك لسمير أن يكتب بعض سمير.

*

سطوة هيبته لم تخفت. أخطّ سطرا، أشعر بجبينه يتقطّب امتعاضا، فأسارع الى محوه. ثم بعد سطر آخر أتخيّله يهزّ رأسه استحسانا، فأمعن وأحفر. لا، لم تخفت الهيبة: جلّ ما حصل هو ان الناقد الرائي اللاذع العادل الذي نحسب له الف حساب انتقل من المكتب المجاور على يميني في مبنى جريدة "النهار"، الى نقطةٍ تقع في النصف الأيسر من الدماغ. نقطةٌ - بحرٌ اسمها الضمير.

*

وتسألون: "اين التقيتِ به لكي تجري هذا الحوار؟". في كتبه التقينا. وفي المحاضرات والحوارات. وفي مقالاته المسنونة. وفي أفكاره الناضحة بالأفكار. وفي الخيال عندما يكون امتدادا لا اختراعا. وفي النار التي تقدحها زأرة "كفى" المدوّية من غضبي وغضب كثيرين وكثيرات. وفي ما كانه سمير قصير وسيظلّ يكونه الى الأبد. وفي كل ما لن يستطيع أي مجرم ومتوحّش ونذل وجبان وداجن وضعيف ان يسلبه إياه، وإيانا.

***

* لنبدأ من جديدك. لماذا تأملاتك في "الشقاء" العربي؟

- غالبا ما يتكلم الناس، عربا وأجانب، بطريقة سيئة وخاطئة على العالم العربي، حدّ أني وجدت ان من الضروري أن أعيد تصويب بعض التصورات المشوّهة والأفكار المسبقة في هذا المجال؛ خصوصا ذاك التصوّر الذي ينصّ على أن العرب محكوم عليهم بالعيش دائما في ظروف حاضرهم الدراماتيكية، متجاهلا واقع انه لثلاثة أو اربعة عقود خلت، كان يبدو مستقبل العرب زاخرا بالوعود. لم تكن اولويتي في هذا الكتاب أن احلل أسباب الفشل في الوصول الى ذلك المستقبل، بل أن اذكّر بأن العرب عرفوا التحديث وبأن قيم الأنوار كانت سائدة بينهم منذ وقت غير بعيد. علينا ان نعرف ان المشكلة العربية لا تكمن فقط في سوء النمو او في التفاوتات الاجتماعية، رغم فداحة هذه. بل ان ما يسم العالم العربي هو ادراكه التشاؤمي المستمر ان ما ينتظره هو طريق مسدود دائما، ومستقبل معتم لا محالة، وأمل مستحيل بالتأكيد. انها كليشيهات معاصرة سلبية تثقل كاهل العرب، أكانت مستوردة من الخارج أم مغذّاة من العرب انفسهم. في هذا المعنى، كتابي هو نوع من التعبئة ضد خطاب الضحية.

* ولكن من الطبيعي أن يؤدي الشعور بالعجز الى انتاج صفة "الضحية"...

- نعم، ولكن هناك مبالغة في تبنّي صفة الضحية هذه. العرب ينسون عمدا الضحايا الآخرين للشمال الصناعي والاستعماري. وحتى اذا اعترفنا بأن العرب ضحايا فعلا، أنا أؤمن بأن ليس كل شيء مباحا للضحية، وخصوصا ليس الارهاب الاعمى. كثر في الغرب يريدون الخلط بين المقاومة والارهاب، لكن في المقابل هناك عرب ينزعون الى الخلط بين الارهاب والمقاومة. طبعا، رفض صورة الضحية لا يعني من جهة ثانية اعتمادنا تقنية جلد الذات. ويجب ان يعترف الاوروبيون بعلامة تاريخية وجيوسياسية تميّز العالم العربي، الا وهي أنه المنطقة الوحيدة في العالم التي لا تزال تعاني الآثار الاستعمارية بعد 40 عاما على انتهاء الاستعمار. واعني هنا تحديدا النزاع الاسرائيلي - الفلسطيني الذي استنزف الطاقات والقدرات والوقت والادوات العربية، وساهم مساهمة كبيرة في سوء النمو المتفشي. وهو يفسر الى حد بعيد لماذا نحن هنا الآن في أوائل القرن الحادي والعشرين، فيما كان القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين واعدين الى هذا المدى.

* فعلا، فمن يصدّق ان النقاش الأول حول وضع المرأة جرى في بيروت عام 1848؟

- ومن يصدّق أن هدى شعراوي نزعت الحجاب عن رأسها امام الناس في القاهرة عام 1922، بعد جدال طويل أذكاه وحرّكه قاسم أمين حول تحرير المرأة في اواخر القرن التاسع عشر؟ منذ تلك اللحظة انتشر نزع الحجاب في العالم العربي بسرعة، وبشكل طوعي، لا تبعا لنموذج تركيا أتاتورك. وفي اواخر الستينات كان قد بات حضور الحجاب ضئيلا جدا في معظم المدن العربية. ولكن فجأة، بدءا من منتصف السبعينات، عاد الحجاب الى الظهور نتيجة حركة نضالية منظمة وواسعة في اتجاهه.

* لكنك تقول في كتابك ان العولمة الثقافية يمكن ان تمثل اليوم فرصة للخلاص من هذه العودة الى الوراء. كيف ذلك؟

- أكان الأمر متعلقا بالانترنت أو بالمحطات التي نتلقاها عبر الاقمار الاصطناعية او بعمليات التمويل المختلفة للمشاريع، يمكن العولمة الثقافية ان توسّع دفق التبادلات بين الثقافة العربية والخارج، ويمكنها ان تجعل العرب يعون انهم حاضرون في العالم. يكفي ان نفكر في مثال الموسيقى العربية المندمجة اليوم في الموسيقى الغربية. اذا ما انتبه العرب الى هذه الظواهر واحسنوا تقديرها واستثمارها، سوف يدركون انهم ليسوا ضحايا دائما، وان "الشقاء" ليس في الضرورة مصيرهم.

* دعنا الآن ننتقل من "الشقاء" العربي العام الى شقائنا اللبناني الخاص: ان الصفحة الجديدة التي افتتحتها نهاية عهد الوصاية كانت تملي على السياسيين اللبنانيين تغييراً جذرياً في مقاربتهم الشأن العام، وهو التغيير الذي لا تظهر سوى دلائل قليلة ومتفرقة على امكان حصوله اليوم. فعلى عاتق من يقع تحقيق حلم المواطنين اللبنانيين بهذا التغيير؟

- على المواطنين اللبنانيين أنفسهم طبعا. فالتغيير ليس مرهوناً فقط بتبدّل قواعد عمل الطبقة السياسية التي تدير البلاد. بل لم يعد يعادل التوق الى التغيير غير اليأس من امكان حصوله في ظل طبقة سياسية تنخرها الأنانيات ويعوقها فقدان المعايير الاخلاقية والرؤى المستقبلية. الناس لم ينزلوا الى الشارع في شهري شباط وآذار من اجل التغيير، بل من اجل التخلص من هيمنة الحكم السوري على لبنان والنظام الامني الذي ارتكزت عليه هذه الهيمنة. أما وقد حققوا هذا الهدف، فقد بات عليهم الآن ان يشرعوا في الورشة الثانية، ورشة التغيير، وألا يقعوا في الفخاخ المتكاثرة على الدرب اليها يوما بعد يوم.

* وأي فخاخ! لقد منينا بخيبات عديدة بعد 14 آذار: كيف تفسّرها؟

- (ينعقد حاجباه) لم يتنبه اللبنانيون بما فيه الكفاية الى ان ما صنعوه بانتزاعهم استقلالهم الثاني هذا الربيع ليس ملكهم وحدهم. ولم يدركوا تحديداً، لكثرة انشغالهم بحالهم، ان "انتفاضة الاستقلال"، رغم اهميتها الاستثنائية في تاريخ النضالات الشعبية العربية وتداعياتها التي تؤكد اشكالية الديموقراطية في المنطقة، لن تجد مكانها الثابت في الوعي العربي الا بعد أن يتضح مآلها الديموقراطي، وان الصورة الجديدة المشرقة للبنان واللبنانيين التي ابرزتها التظاهرات والاعتصامات الكبيرة في وسط بيروت قد تهتز إن لم يكملها اداء سياسي مغاير للمعهود.

* أي أداء مغاير هو هذا الذي نصبو اليه، والمواطن اللبناني حائر اليوم بين شرّين: ان يتوافق اطراف المعارضة في ما بينهم بما يؤدي الى إلغاء مبدأ الانتخاب، أو ان يختلفوا مجازفين بحصول خروق وتحالفات مع شخصيات تنتمي الى المعسكر المضاد أو "الحرس القديم". فما رأيك أنت ونحن شهدنا الظاهرة الأولى في الجولتين الأوليين، وسوف نشهد الظاهرة الثانية في الجولتين المقبلتين؟

- هذه الانتخابات التي طال انتظارها هي من النوع الذي يفضَّل نسيانه في اسرع وقت. ولا ريب ان الحيرة التي يزكيها تكاثر الانتخابات بالتزكية، أو التحالفات الصادمة، هي ما يغذي الشعور العام بالاحباط الذي يلف الرأي العام، ويصل احياناً الى حد القرف. هناك فارق شعوري وحتى جمالي بين مشاهد الحشود المتوحدة باللونين الابيض والاحمر والمتلحفة بالاعلام اللبنانية خلال "انتفاضة الاستقلال"، ومشهد الشرذمة الذي يتأتى اليوم من الحملات الانتخابية في ظل قانون انتخابي لا يشجع البرامج بل الولاءات السياسية البدائية. يكفي كل من يمر في ساحة الشهداء التي فرغت من المعتصمين ان يتذكر مشهد المليون ومئتي الف نسمة الذين اجتمعوا فيها في 14 آذار حتى يشعر بانخفاض في الضغط وتباطؤ في النبض. قطعاً، يحق للناخبين التوق الى شيء افضل من هذه الانتخابات.

* لكن أين وقع الخطأ؟

- الخطأ وقع في اعتبار انتفاضة الاستقلال استكمالاً لفصول الحرب، كما فعل بعض اطراف المعارضة. الخطأ وقع في اختزال الفعل التاريخي بعظمة فرد، وفقاً لفهم مبتسر للتجربة الديغولية في فرنسا. الخطأ وقع في جشع كل فريق الى ارضاء مصالحه وتحقيق "انتقاماته" الشخصية، على حساب مصلحة البلاد العامة. الخطأ وقع ايضاً في اعتبار الانتفاضة حركة سياسية ذات برنامج واحد، كما يطيب الاعتقاد لعدد من الشباب المنخرطين فيها.

* هل تقصد أنه لم يكن هناك حلم واحد يجمع الذين شاركوا في الانتفاضة؟

- لا، اذا ما استثنينا التحرّر من الهيمنة السورية. فحتى اذا افترضنا ان الكل اجمعوا على التغيير والاصلاح، من الواضح انهم لم يجمعوا على محتوى التغيير والاصلاح. والوفاء الحقيقي لحدث 14 آذار يكمن في اعتباره نقطة البداية لعمل سياسي قد يتطلب وقتاً مديداً كي يثمر، مثلما تطلّب انهاء عهد الوصاية نضالات طويلة وتضحيات كبيرة لم تختصر بالنزول الى ساحة الشهداء ذات يوم من ايام شباط او آذار. وفي الاتعاظ منه بأن السياسة ليست حكراً على السياسيين، مهما حاولوا احتكارها. اما التبرم والاحباط والقنوط، فهذه هي تحديداً العادات التي لم يعد لها مكان منذ 14 آذار.

* أراك لا تزال مصرّا على موقفك الرافض للاحباط، رغم القدر الهائل الذي اصابنا منه جراء استشهادك...

- نعم، مصرّ على موقفي وأكرره: ليس الاحباط قدرنا.

* لكن كيف لا يحبط الناس حين يرون هذه القوة او تلك من قوى المعارضة تجازف بوعد التغيير من اجل حسابات فئوية صغيرة؟ كيف لا يحبطون حين يرون الزبائنية والمافيوية والشراهة وجنون العظمة وكل اللطخات التي تلوّث ما تظاهروا لأجله في ذلك اليوم التاريخي؟

- أنا أفهم غضب الناس من عجز المعارضة عن ترجمة الغالبية الشعبية التي تجسدت في 14 آذار فعلاً مبادراً يردع المنتفعين من نظام التبعية المنتهي. لكن الاحباط ليس مبرراً رغم ذلك. ليس فقط لأن العديد من المحبطين يريدون الشيء وعكسه، بل لأن الاحباط في معظمه ينتج من تحوير في المفعول الرجعي لمعاني الحركة الاستقلالية، ولا يؤدي سوى الى طريق مسدود. المصدر الاكبر للتململ قد يكون في شعور المواطنين بأن لحظة الانتصار هي لحظة للقطف، وليست لحظة للتأسيس. ففي ازاء بعض الوجوه التي تبدو متسلحة برؤية مستقبلية ومسلكية سوية، بات يهدد مشهد المعارضة انه يزخر بوجوه اخرى لا يعنيها الا ان تكون في المكان المناسب في الوقت المناسب، سواء أتعلق الامر بالانتخابات النيابية ام بإعادة فتح الاستحقاق الرئاسي.

* والمتململون من تلك الوجوه على حق: الا تقتضي اعادة الاعتبار الى السياسة ان يشعر المواطنون بأن المعارضين ليسوا كلهم طلاب مناصب؟

- بالتأكيد. وما يقال عن بازار الترشيحات الى الانتخابات النيابية يقال مثله عن النيات المبيتة في الاستحقاق الرئاسي القابل للفتح. فمع اخذ العلم بالتأجيل الحكيم لهذا الموضوع، أرى انه معيب، بعد هذه الانتفاضة، ان يفكر هذا أو ذاك من الاقطاب باسماء ارتبطت لنحو عقد من الزمن باستماتتها في الدفاع عن "تلازم المسارين" وتغييب الارادة الوطنية في ادارة سياسة لبنان الخارجية كما الداخلية. وأرى أنه مريب ان يشعر كل سياسي ماروني، مرة اخرى، انه مرشح للترشيح لمجرد كونه ولد في هذه الطائفة. وأرى انه معوق لبناء دولة تحترم مواطنيها، ان يتم التسويق لمن لا يمكن اعتباره "معارضاً منذ اكثر من عشرة اعوام" او لمن يحمل ترشيحه طابع التحدي فحسب.

* معيب ومريب ومعوق، ولكن هذا هو الحاصل للاسف. أنت قلت منذ وقت ليس ببعيد: "لم يفت الاوان بعد، وإن بدأ يفرغ الصبر". فماذا تقول الآن؟ هل فات الأوان؟

- لا، لم يفت الأوان، ويجب أن نظل مؤمنين بأن الأوان لن يفوت مهما حصل، وبأنه سيظل ممكناً استدراك هذا الانحراف الذي يهدد المعارضة الموحّدة كمشروع للمستقبل، وينزع الى تحويلها مطية للثأر. الديموقراطية لا تعني في اي حال من الاحوال تبييض المرتكبين، ولا مزوّري الرأي العام. بل ان شرط الديموقراطية، حتى تسود، سقوط الاقنعة كلها، وليس فقط القناع الابشع.

* خصوصا أن الغياب الحالي للشفافية يهدد بفتح جروح كانت بدأت تندمل.

- حقا، ولذا اقول إن المعارضة لن تنتصر الا اذا ادركت وقالت ورددت ان لبنان المتحرر من هيمنة الحكم البعثي في دمشق هو لبنان يجب اختراعه وليس اجتراره. ويجب أن اضيف هنا ان منحى التشكيك في عروبة لبنان لا يخدم تماسك المعارضة ولا صورتها الخارجية في اللحظة التي نسمع فيها من عدد من قادة الرأي العربي تعويلاً على التحول في لبنان من اجل تحريك المناخ الديموقراطي في المنطقة. لقد فُتحت ورشة طال انتظارها، فحذار ان نستفظع الضجة ونؤثر عليها عقم السكوت. كذلك لا ينفع الاستعلاء في ادعاء تعليم العرب الديموقراطية حين يكون اتكال المعارضة اللبنانية على الاعلام الفضائي العربي من اجل كسر الصمت الذي تتواطأ القنوات اللبنانية في التزامه بحجة الضغط الامني عليها.

* في الحديث عن الاعلام العربي، كيف تقوّم هذا الاعلام القائم في معظمه على سلطة المال؟

- سلطة المال، أكانت خارجية ام داخلية، لا تصنع في الضرورة إعلاما، بل لعلها تعوق أحيانا تفتح مواهب الاعلاميين الذين تحشدهم. ولنا في ما حصل هذه السنة في المشهد الصحافي اللبناني وفي ما يحصل منذ سنوات في مشهد الاعلام المرئي اسطع دليل على فشل المال في ان ينتج وحده النجاح الفكري وحتى التجاري. في المقابل، ان السماح باللجوء الى استثمارات طبيعية خاصة وشفافة من الخارج يمكن ان يساعد في شكل خاص الصحافة اللبنانية في مسعاها الى اعادة بناء ما دمرته الحرب فيها، ثم فورة الاعلام المرئي والمسموع. اذ يصبح ممكنا عندذاك ان تهتم مؤسسات صحافية كبرى في العالم بإقامة علاقات شراكة وتبادل مع صحف ومجلات لبنانية، سواء أكانت قائمة ام انها ستقوم غدا.

* كم نفتقد مجلة "اوريان اكسبرس" التي أسستها وترأست تحريرها بين 1995 و1998...

- آمل أن تُستأنف تلك التجربة يوما. يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، الذي كان رفيق قراءاتي في الأيام الأخيرة، "أن نجرّب يعني أن نتخيل: ليس هناك الا عالم واحد، وهو مزيّف وقاس ومتناقض وساحر وبلا معنى. ونحن في حاجة الى ان نتخيّل لكي ننتصر على هذا الواقع، على هذه الحقيقة. فمن واجبنا أن نعيش بطريقة تجعلنا نرغب في أن نعيش مرة ثانية". وهكذا عشت أنا.

* نيتشه قال أيضا: "أتريد حياة سهلة؟ ابق دائما قرب القطيع وانس نفسك فيه". أنت الذي لم تقبل يوما بجيرة أي قطيع، كيف تعلّق على بند احترام حرية الرأي والمعتقد والتعبير في دستور جمهورية يُغتال فيها الصحافيون الأحرار "احتراما" لحرية رأيهم وتعبيرهم؟

- (بنبرة منفعلة) الجمهورية اللبنانية توشك ان تصبح اسماً بلا مسمّى. الجمهورية اللبنانية في حاجة الى انقاذ.

* ومن ينقذها؟

- لا ينقذها الا التفاف ابنائها حولها، فحذار ان يتأخروا. الجمهورية اللبنانية مقام لا يعلوه مقام، فحذار ان يستقوي عليها اي قائمقام. الجمهورية اللبنانية عنوان الاجتماع الوطني، وفيها من النبوغ ما يغنيها عن كل عبقري مزعوم. فحذار تجنّي العباقرة عليها، كل العباقرة. لا رؤساء من دون جمهورية ولا وزراء ولا نواب ولا مديرون عامون، مهما علا كعبهم او هبط. الجمهورية اللبنانية لن تبقى اذا لم يتذكر كل واحد منا انها اسمه الاول، واذا لم يصبح السياسيون والاعلاميون اكثر حرصا على كرامتهم وكرامة السياسة في هذه البلاد، واقل خوفاً عندما يرجمهم رجال الأمن بالشتائم والتهديدات والابتزازات.

* أوصلتني الى كتابك "عسكر على مين": ما قصّة الشعار الذي استوحيت منه عنوان هذا الكتاب؟

- إنه شعار مدموغ بالاحمر ظل لسنوات على احد الجدران في حي بربور بالمزرعة. كان شعاراً نادراً، لم يتكرر جداراً بعد جدار على غرار غيره من عبارات التعبئة، ربما لانه كان في الاصل من صنع شاعر. "انا شعبي اكبر يا عسكر"، كان يقول الشعار، وقد خطته يد مجهولة استفزتها على الارجح حكومة العسكريين في بدايات الحرب. وأردت من خلال الكتاب وعنوانه هذا أن اسأل الأجهزة الأمنية التي كانت ترهب البلاد وتحكمها بقبضة من حديد: "عسكر على مين؟ على المواطنين والآمنين"؟ التذاكي، حين لا يستطيع الركون الى آلة الابتزاز، انما يدور في الفراغ. وها أنا أردد اليوم: لقد ذهب النظام الامني، فليكن ذهاباً من دون رجعة.

* وماذا عن المتزلفين والمتحذلقين والزاحفين؟ لم يذهبوا. ما زالوا هنا.

- في رأيي أن الانكى من انحدار ناثر الغزل هو انحدار الذوق عند المتغزّل بهم. لكن ثمة شيء آخر اكثر مرضيّة من التزلّف او التطبّع او التبعية: انه خواء الحياة العامة من الهموم العامة وامتلاؤها بالمشاحنات الخاصة. "البلد يسير الى الهاوية؟ لا تكترثوا، المهم ان تكمّل المسرحية". كأن لا حياة لمن تنادي... ولكن لا مفر من ان تأتي اللحظة التي ستفرغ فيها جعبة الزجالين في بلاد "القبر المفتوح" هذه، كما وصفتها يوما "مشكورةً" جريدة "البعث".

* سؤال منهجي سبق أن طرحته بدورك يومذاك: عندما يكون القبر مفتوحاً، كيف تخفي النعامة رأسها؟

- تحاول أن تقنع الجميع بأنهم لا يستطيعون رؤيتها. وتصدّق أنها اقنعتهم بأنهم لا يستطيعون رؤيتها. وهم يصدّقون بأنها صدّقت انها أقنعتهم.

* كقصّة "الملك العاري" لشفارتز، الذي يصدّق انه يرتدي أجمل الأثواب ويقنع رعاياه "بالقوّة" بذلك؟

- تماما.

* بما أننا أتينا على ذكر "الملك العاري"، ما رأيك بزعمائنا العرب؟

- اراهم جميعاً في القمة الوحيدة التي يأنسون اليها: قمة العيب.

* لطالما ردّدت أن مكمن عجزهم هو فلسطين، وان فلسطين هي ما يكشف العجز العربي. فماذا عن فلسطين التي حملت همومها؟ ماذا عنها بعد عرفات؟

- قد يكون عرفات فشل في الحصول على الاستقلال الفلسطيني، وقد يكون أخفق في بناء أسس الدولة التي يصبو اليها الفلسطينيون. ومن المؤكد انه عجز عن تحقيق حق العودة لجميع اللاجئين الفلسطينيين، هذا بالافتراض انه تجوز محاسبته بمفرده على اخفاقات تعود في اساسها الى عجز الدول العربية عن ان تكون دولاً وعربية. لكن، ما لا يمكن انكاره على عرفات هو انه نجح، حصاراً بعد حصار، وفي ظروف حالكة على الدوام، في ان يقود شعباً شبه اعزل في مواجهة مع قوة نووية، وان يصل بهذه المواجهة حتى ابواب القدس. ورغم الفشل العسكري للمقاومة، وانزلاقها في المتاهات العربية، واخفاق السلطة الوطنية في التحول دولة مستقلة، ورغم حتى تراجع نطاق الحكم الذاتي، ما من شيء يمكن ان يخفف من حجم انجاز عرفات المتمثل في عودة فلسطين الى خريطة العلاقات الدولية، بعد انجاز اولي شكلته عودتها الى تصدّر الهم العربي. لذلك، ردا على سؤالكِ حول فلسطين بعد عرفات، أرى انه لا بد من الاستمرار في الغرف من ارثه، وخصوصاً لجهة التسلح بشيء من المرونة امام الديبلوماسية الاميركية من اجل صمود افضل امام اغراءاتها القليلة والخادعة. وهذا يتطلب تحديداً من القيادة الفلسطينية الجديدة ان تسعى في الدرجة الأولى الى وضع حد لفوضى الانتفاضة المسلحة. وهي إن فعلت، فإنها لن تكون وفية لإرث عرفات فحسب، بل تكون قد نجحت في ابقاء صاحبه حياً.

* للغرب أيضا دور في ذلك...

- بل ان له دورا جوهريا. ليس ثمة أمن من دون حرية، وانا من المدافعين عن شرق اوسط ليبيرالي، ولكن لكي يكون هذا الأمر ممكنا، يجب ان يكون الغرب الليبيرالي ليبيراليا هنا أيضا، اي في شرقنا الأوسط. ينبغي إذا لهذا الغرب أن يتخلى عن دعمه الكواليسي للانظمة الديكتاتورية، حتى تلك التي يعتبرها معتدلة وحليفة له. وينبغي له خصوصا أن يعي أن اهمية الشرق الاوسط الاستراتيجية لا تبرر حرمان الشعوب حقها في تقرير مصيرها، ويعني ذلك في الدرجة الأولى الفلسطينيين.

* في هذا الموضوع كتبتَ مع فاروق مردم بيه "المسالك من باريس الى القدس - فرنسا والصراع العربي الاسرائيلي". لماذا "من باريس الى القدس"؟

- لأنه منذ نشوئها وحتى الخمسينات، كانت القضية الفلسطينية تُرى في باريس من خلال الموشور الاستعماري. على غرار بريطانيا العظمى، اتخذت فرنسا موقفها من المشروع الصهيوني بناء على شهواتها ازاء هذه البقعة من الارض التي كانت تعتبرها "حصتها"، مع بقية سوريا. في البدء كان موقفها معاديا، ثم متساهلا، فالى متحفظ من جديد، حتى انضوت أخيرا، في خضم حماسة قياداتها السياسية، تحت لواء عرّابي دولة اسرائيل