افتقدت الكلمة فاضطررت للبحث
عنها طويلا، أنقب في الذاكرة،
بالسبابة على رأسي المحني، كي
أود قولها. عبثا فعلت. سواء
لما وقعت الحادثة وأيضا فيما
بعد لما التف الحشد حول الجسد
الهامد، المسجي في عرض
الشارع. كان الجهد لاقتلاع
تلك الكلمة و التعبير عنها
قاسيا ومضنيا. فقط كانت تتجلى
أشكال بأحجام متباينة، مشتتة،
منتثرة، تطفو إلى السطح و
تغشى المسافة التي تفصلني
عنه، تتبدى تحوم حول عينيه
السوداوين، وشعره القصير،
والوجه الطولي و أحيانا تتمطط
طول الجسد الممدد، لكن دون أن
تتحقق إلى كلمة بائنة معبرة
دالة عنه. هكذا تصطدم الحروف
فيما بينها و تندثر ببطء.
فأغرق في العدم حينها، يبدأ
ترنح في خلخلتي ثم يعقبه
ارتعاد فأكون كمن دلف منطقة
صحراوية الطابع، شاسعة
وفارغة. أكون في غياب غريب
يزيد من كثافته حضور عشرات
الأشخاص الذين يدفعونني
بمرافقهم، ضاغطين، دافعين.
فأشتعل فجأة مثل لهبة فلا
يسعفني غير الفرار بعيدا،
بسرعة. بعد أن افتقدت كل
تماسك ممكن.
كان الموسم صيفا، جافا وحارا.
ذباب كثير يحتل الفضاء الأزرق
الحامي من فوق البحر، و
حبيبات الرمل الدقيق تخترق
لتسكن ثنايا الأجساد الملتهبة
بالشمس. جررت قدمي بعيدا،
متتبعا الحاجز الحديدي الذي
يفصل طوار لا كورنيش عين
الذئاب عن الشاطئ. لما ابتعدت
كفاية بدأت أفكر من جديد. عاد
بحثي اللاواعي والمؤلم، وتحول
الأمر إلى مبارزة ثنائية
مجنونة ترافق خطوي وترافق
مرور الدقائق الثقيلة. فقد
كان هناك خوف مرعب وخفي يجلل
ذاتي وينتقل إلى الشخص الجامد
هناك، على الطريق. كانا
يتناظران حتى، وجها لوجه. كنت
أراني أحدق فيه، وكان يحضر
على هيئة كتلة ضبابية غامقة
تقطعها فجأة من حين لآخر،
إضاءات مشعة لها بيرق زجاج
مكسور، يظهر من خلالها الرجل
ويختفي. كان ذلك جديدا، فحتى
اللحظة لم أتبين هذا الإشعاع
المنير العجيب. كان يخترق
بصري مثل شعلات حية لكن
خاطفة. وهذا جعل الدم يدور في
العروق دورة واحدة ويسخن،
فتهاويت مترنحا. لم يعد هناك
غياب .بل حل محله سواد غائم
شامل. تتمدد ذراعي إلى ما لا
نهاية، تتلمس بتردد، تخمش ما
يشبه حجبا لا مرئية لكن لها
وزن صخور عتيقة. ثم تلا ذلك
اختلال يصعب تمزيقه. ضباب جد
كثيف!
فيما بعد لم أدر كيف وجدتني
أفتح عيني وأرفع رموشي مثل
ستارين ثقيلين، وأراني قابعا
على مقعد، أمام البحر،
وقبالتي امرأة بلباس كله ابيض
تسألني بصوت رقيق، خافت،
زعزعني تماما
:
ـ سيدي، هل أنت مريض؟
استدرت فجأة بسرعة. "أهي
ملاك؟ " . نظرت. شعر فاحم
منسدل، عينان دافئتان. فركت
عيني. فتحتهما، نظرت. الصيف
ما يزال مكانه، يراوح زمنه.
الشاطئ ملئ يعج بالهمس و
الصراخ و الحضور و الضحك.
الحياة هنا، حية. لكن ماذا
جرى؟ أمر لا يصدق.
ـ أنت جد شاحب، سيدي.
وتذكرت. الذكرى مثل حمى عاتية
اجتاحت الذاكرة، فنقلت بصري
إلى هناك، نحو الشارع حيث
الحشد. في الجانب يمر رجل و
امرأة متعانقين، يتقاطعان مع
مرور كلب يلهث عطشا في
الاتجاه المعاكس، مما حجب
برهة بحيرة شمس كانت تبرق
أكثر فأكثر حول الجموع
المحتشدة هناك. سراب نهار
صيفي بلا اسم!؟ عصيب و صعب
الاحتمال، سؤال الارتياب ينزع
نحو التأكد فوق الأشياء كسلاح
قاطع. افتقدت الكلمة الغائبة
سندا قد يساعدها على الخروج،
على أن تقال، أن
تتحرر..رأيتني في المأزق مرة
أخرى...لكن ما هو دور المرأة
التي بالأبيض؟
ـ قولي، سيدتي، هل حملوا
الجسد؟
ـ أي جسد ؟
ـ ذاك الذي صدمته السيارة،
هناك، قبل آونة..
ـ لا، لا أعرف عما تتحدث. لم
أر أية حادثة اصطدام..
ـ كيف؟ أجبت مندهشا
ـ هذه ساعة وأنا جالسة هناك
في سطيحة المقهى القابلة و لم
أر شيئا يشبه ما تتحدث عنه..
ـ كان هناك جسد ممدد على
الأقل! لقد رأيته أنا..
ومنعني انقباض في القلب من
تتميم كلامي و محا الرغبة في
سرد الحدث التي امتلكتني
لدقيقة. ثم إن صوتها كان
رقيقا و مهدئا وواثقا حيث
كانت تمتزج الرأفة بنوع من
الاهتمام المفكر. فعاودت سد
عيني، و سرعان ما لاحت لي
كثبان صفراء عالية و متكاثرة.
وقد كنت أود أن أعيد تماسكا
مفتقدا، كي أرى من جديد في
داخلي ما وقع فعلا، هناك، في
الخارج. وحدث العكس مما
انتظرت. وجدتني محاصرا و ملقى
خارج كل واقع حي، كثبان فقط
كأسوار منتصبة بدت ,أنا أغطي
الوجه بيدي اللتين غرقتا في
سيل من العرق البارد المدرار.
لقد قصمت يقيني أجوبة المرأة
الهادئة الواثقة، و قطعت نفسي
المتواتر.
كيف الوقوف الآن؟ كيف لا يكون
قرص الشمس فوق الرأس شبيها
بعقاب، وضجيج السابلة الصائفة
مثل ضربات في الأذن؟ كيف
ينمحي جسد الرجل الملقى بلا
حراك والذي هناك من الذاكرة
القاتلة؟ لا جواب، تفر
الكلمات الأليفة حتى الآن،
تحلق بعيدا نحو مناطق مجهولة.
يظل الفراغ مفتوحا، فراغا ليس
إلا. أعياني النظر في الداخل،
النظر في الخارج، فألقيت سمعي
لحديث المرأة. إلا أن
استفهاما مفاجئا طن في ذهني
أفزعني : أليس في مظهري ما
يثير الشفقة، هو الذي دعاها
إلى الاهتمام بي؟!!
سألتها. أجابت
:
ـ لقد رأيتك تمر من أمام
سطيحة المقهى، كنت الرجل الذي
ليس هنا. كنت أحس بالملل
فتبعتك..أيقظت فظولي..
ـ بعد الحادثة إذن، أليس
كذلك؟
ـ لكن لم تكن هناك أية حادثة،
كما قلت لك سابقا..
مرة أخرى!!؟ هل أنا مجنون؟
الرجل في البداية، ثم هذه
المرأة ؟ شعرت بالصحراء
الملتهبة تدنو مني أكثر، بعمى
الالتهاب يقترب..في الأخير
أمسكت بيدها وتأملتها وشممت
عطرها. كانت غابة من
الاختلاجات الأثيرة فدخلتها
كما يستنجد غريق بقشة تائهة.
وإلا سقطت في هاوية بلا قعر
حد الاندثار. صرت مثل النائم
زمنا حتى أيقظني الصوت الذي
لم يكن خافتا و لا جهيرا:
ـ إنك ترتعد، سيدي، هل تريد
أن تتمشى قليلا ؟
نعم. و تبعتها جنبا إلى جنب
في نور الصيف المنبثق من
الطوار المشع. يصحبني ظلها
الملح. رفعت ذراعي اليمنى و
مسحت الفضاء أمامي
مرات..لاحظت حركتي فتكلمت
:
ـ قمت بنفس الحركة لكن من
أمام عينيك لما رأيتك لأول
مرة. كنت كمن يطرد ذباب ملحاح.
كنت الوحيد الذي يفعل ذلك في
صخب الشاطئ الفرحان.
ـ من أنت؟ قلت لها فجأة.
ـ امرأة رأتك. أجابت باسمة و
بألفة غريبة.
بسمة مضيئة أبانت عن أسنان
بيضاء جميلة. غزاني هدوء مريح
لحظة، ثم قلت لها بصوت لا
أدري من أين قرار أتى
:
ـ في نفس اللحظة التي...؟
ـ التي مررت فيها، نعم، أما
الآخر فلا أعرفه.
أهو زمن مجهول؟ أ أكون الوحيد
الذي رأى الرجل يسقط و الصدمة
تدوي في الأجواء تنثر قطع
الزجاج و صدى الحديد
المتلاطم؟ كنت أنا فقط الذي
رأى، وحيدا ..!؟
ـ افعلي شيئا، لم اعد
أحتمل..قلت لها و قد خارت
قواي.
ـ لنشرب شيئا في هذا الحان
القريب..
كان علينا أن نتجاوز الشارع.
الإسفلت الأسود عكس حرارته
المتلألئة فتبدى لي جسدي
يتجلى فيه كما لو كان
مرآة..فأمسكت بذراع السيدة و
قادتني رغم أن نظري ظل لاصقا
بالسراب الذي يكاد يعمي.
ـ لماذا تغلق عينيك؟ قالت
مستفسرة
ـ..........
ـ ها قد وصلنا.
فعلا. كنت على كرسي علوي جنب
الكونطوار. استدرت فواجهتني
المرآة الطولية التي تحتل كل
الجدار، و حيث تنعكس القناني
و الكؤوس المذهبة و صور
عديدة..و وضعت يدي على فمي
مندهشا..
ـ عد إلى أين أنت ذاهب؟
سمعنها تقول صائحة.
لم أعد..لم أراني في
المرآة..أين أنا؟؟