جماليـــات

إضــــــاءات

حــوارات مقـــــــالات تر جمــات دراســـات نصــوص سرديــة بطاقـة تعريـف   
للاتصـــــــال خدمــــــــات

خــــــاص

مواقع مفضلـة مواقع صديقة مكتبات الموقع كشك الموقـع موارد نصيــة

 

 
 
 

ابحث في الموقـع

 

 

 

 

 

يارا العيسى (البحرين)

الهوية والانتماء في وسائل الإعلام العربية

دراسة

 

الهوية والانتماء في وسائل الإعلام العربية

يارا العيسى

 

بدايةً، تعتبر العديد من الدراسات الراصدة لدور الإعلام في المجتمعات، أنه بات يشكل بدرجة ما نموذج لمرآة تعكس المجتمع الناطق باسمه أو على الأقل يعكس الصور والهوية التي يراد أن تصل للأخر، خصوصاً مع التراكمات و التطورات الإجتماعية.
حيث أنه عبر التاريخ، كان للإتصال بأنواعه البدائيه منها وصلاً للرقمية، دور يحاول أن يبنى من خلاله، سلسلة من الأوصاف و المعالم لهذا المجتمع معتمداً على الأخبار أو المعلومات المتداولة، فالكثير من الحروب و التحالفات وحتى الكتابات و التخيلات الأدبية قديماً كانت تتم و تبنى على أساس رسائل تصل من ذلك المكان.
وبالتالي... فهذه الرسائل و المعلومات و المخبرين الذين تحدثوا، سواء بالحياد، أو بالتحيز، و الصياغات و المفردات، ما هي إلا مرآة عكست ذاك المجتمع لغيره، و نقلت هويته و سماته عبر اللغة.

يتحدث هذا الجزء من النص عن ظاهرة اللكنات و العاميات، و مدى علاقتها بسياسة الدولة و المؤسسات الإعلامية وبمفهوم الهوية لدى هذه المجتمعات.. من حيث محاولة إثبات هوية أو فكرة أو قضية ما، عبر رسالة تصل من خلال أنماط الإلقاء و الصياغات اللغوية.
كما أنه يتحدث عن مدى تفاعل الجمهور مع هذه الطروحات، و مدى عكس الإعلام لهوية الشارع من خلال صياغاته و أساليبه.


انتماء - هوية – ثقافة - لغة:
يميز برهان غليون استاذ العلوم السياسية في جامعة السوربون، ما بين الهوية من حيث و اقع الجماعة المادي و العملي، و بين تصور الجماعة لهذه الهوية.
فيقول "قد أكون عربي الأصل و اللغة ( أي شخصيتي المادية) و لكني أعتبر نفسي غير ذلك، أو أرى نفسي في مرآة عقيدة تجعلني أنظر إلى هذه الحقيقة الموضوعية نظرة ذاتية مختلفة".
فتحديد الهوية ليس في جميع الأحوال مسألة اعتراف بسيط بواقع، إنما هو اعادة تركيب هذا الواقع المعقد الذي نسميه (الشخصية التاريخية) و بالتالي القومية أو الهوية.
فيما يذهب الدكتور أحمد عبد الملك في تعريفه إلى تقسيمة من شقيين، الأولى تستهدف الهوية الفردية، فيما تختص الثانية بمفهوم الهوية الجماعية.
فيقول في إستعراضة لها: "أن الهوية الجماعية هي الهوية النابعة من أن الأفراد ينظرون إلى أنفسهم كأعضاء في جماعة، يتماثلون معها، ويطورون شعورهم ضمن مفهوم (نحن كأعضاء نمثل جماعة)".
و يشتمل تعريف الهوية الجماعية على: ايجاد قيم ومعايير مشتركة لأعضاء الجماعة، وصياغة علاقتهم بتقاليد الماضي، والقدرة على التجند الجماعي من أجل إنجاز أهداف مشتركة، وتعبيرات تضامن بين أعضاء الجماعة وأشياء أخرى.

ويرى الدكتور رشاد عبد الله الشامي، في كتاب إشكالية الهوية في إسرائيل الصادر عن سلسلة عالم المعرفة، مجموعةً من التعريفات التي يحاول من خلالها الوصول إلى أقرب تعريف حقيقي للهوية، فيقول:
"يمكن تعريف الهوية بأنها الشفرة التي يستطيع الفرد عن طريقها أن يعرف نفسه في علاقته بالجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها، والتي عن طريقها يتعرف عليه الآخرون باعتباره منتمياً إلى تلك الجماعة، وهي شفرة تتجمع عناصرها العرقية على مدار تاريخ الجماعة وتراثها الإبداعي وطابع حياتها".
ويضيف د. الشامي إن "الهوية بالإضافة إلى الشفرة تتجلى من خلال تعبيرات خارجية شائعة مثل الرموز والألحان والعادات التي تنحصر قيمتها في أنها عناصر معلنة تجاه الجماعات الأخرى وهي أيضاً التي تميز أصحاب هوية ما مشتركة عن سائر الهويات الأخرى، ولكن الملامح الحقيقية للهوية هي تلك التي تنتقل داخل الجماعة، وتظل محتفظة بوجودها وحيويتها مثل الأساطير والقيم والتراث الثقافي. وتحدد الهوية الشعور العميق الوجودي الأساسي للإنسان".

فيما تعتبر الدكتورة- فريال مهنا أستاذة سوسيولوجيا الإعلام ـ قسم الصحافة في جامعة دمشق، أن هناك حقيقة لغوية يؤيدها الواقع ويؤكدها التاريخ، وهي ارتباط اللغة - أي لغة- بحضارة أصحابها: بمعنى أن (اللغة والحضارة يتناسبان تناسباً طردياً)، هذا يعني ببساطة أن اللغة ظاهرة اجتماعية تعيش مع الإنسان جنباً إلى جنب، تضعف بضعفه، وتنمو وتزدهر بنموه وازدهاره.

وأخيراً يرى الأستاذ عبد القادر بن الشيخ، أن الإنسان يحقق إنسانيته من خلال اللغة، كونه عبرها يثبت وجوده وتعامله مع الآخرين، وبها يؤكد منزلته كعضو فاعل ومنتج في مختلف الفضاءات الاجتماعية ، فيعتبر بن الشيخ اللغة "إحدى مقومات الأمة نظراً لدورها في بناء وتجذير الشعور بالانتماء إلى مجموعة لها خصوصياتها الثقافية".
فتمثل اللغة برأيه، أحد العناصر الأساسية للهوية، التي لا يقتصر مضمونها على التضامن المكون للذات الجماعية فحسب، إنما يمتد إلى الفاعلية التاريخية التي تتجلى ـ عبر اللغة ـ بالمقدرة على المشاركة في الإنتاج الحضري، أي بالإضافة الفكرية، لأن الهوية بناء تاريخي متجدد، وهذا يعني أن اللغة هي أيضا في "صلب ديناميكية التطور" على حد تعبيره .

من خلال هذه التعاريف، و مجموعة كبيرة من التعاريف الأخرى التي تتطرق إلا حوانب متعددة من مفهوم الهوية و اللغة، كلٌ من منطلقة، و حسب معطياته و أهدافة، يمكن الخلاص إلى أن مفهوم الهوية في أغلب التعاريف، إرتبط بالتاريخ و الإنتماء - الإثني العقائدي و القومي، و عُبر عنه من خلال أداته الأولى و الأكثر و ضوحاً ( اللغة) متجلياً في اللكنات و التعابير و المصطلحات.

ولكون الإعلام بالمعنى العام، أو على الأقل (كما يفترض له أن يكون) هو – الناطق الرسمي و الأكثر انتشاراً و شيوعاً- باسم جماهيرها و المنتمين إلى منشأة، فيمكن الافتراض أنها أحد أشكال التعبير عن هويتهم، و ذلك من خلال انعكاسات اللغة و قوالبها فيها
.

نودر هذا السرد التاريخي لمجموعة من التحولات و الإشكاليات و المعطيات السياسية و الاجتماعية في فتره ممتدة من سنة 1958 (الوحدة العربية بين مصر و سورية)، مروراً بالتطورات التي طراءت على الواقع العربي و الإعلامي بشكل خاص بعد انهيارها سنة 1961، فمرحلة السادات و مشروع السلام و التطبيع مع اسرائيل سنة 1981، وصولاً إلى الحرب الأهلية اللبنانية التي أفرزت بشكل ما دعامة أساسية لواقع الإعلام العربي الحالي (1975- حتى معاهدة الطائف سنة 1989).

1- مع بداية مشروع الوحدة، ( الجمهورية العربية المتحدة ) و الذي يمكن القول بأن كل مواطن عربي و مسلم تبناها و أيدها، كونه اعتبرها المشروع المنقذ له و لهويته و انتمائه، من الصراعات و الإعتداءات و محاولات السيطرة.

انعكاسات هذه المرحلة على الواقع العربي عديدة، إلا أنني سأخص الحديث هنا عن واقع انعكاس الوحدة في تجليات اللغة في وسائل الإعلام العربية في تلك الفترة:
فكون الدولتين المتحدتين – سورية و مصر – هما من أوائل الدول المنشأة لنظام إعلامي مرئي و مسموع في الوطن العربي، فلقد تمايزت معالم الوحدة من خلال أساليب لغوية عربية فصيحة رنانة الكلمات و المعاني، أكدت على البلاغة و لجأت أحيانا لكلمات عربية قديمة و صعبة، و لقيت هذه الأساليب تقبل و اندماج من قبل المواطن العربي (السوري و المصري) خاصةً، و المواطن العربي عموماً، لما مثل له المشروع من أمل تبناه و تمسك به.
كما أنه يمكن القول أن أساليب الصياغة كانت تميل إلى الأنماط الحربية و التعبوية في بنائها، و كل هذا من خلال عربية فصيحة تراعي كل قواعد و لوازم اللغة.
من أهم تجليات اللغة العربية الفصيحة لتلك المرحلة في الخطاب و الرسائل الموجهة للجماهير و المتلقين، كانت تبرز من خلال خطابات الرئيس المصري – جمال عبد الناصر- حيث أن المتتبع لجميع خطاباته و التي كان يغلب عليها طابع الإرتجال، يلحظ اعتماده على العربية الفصحى السليمة إلى حد كبير، و نادراً ما كان يستعمل مصطلحات محلية، ليس بإمكان المستمع العربي من دول شقيقة استيعابها أو فهمها.
و يسند الباحثين أسلوب الرئيس عبد الناصر في الخطاب، إلى أن المشروع العربي حينها كان يقوم أساساً على مبدأ القومية و التي توحدها أولاً اللغة العربية، كما أن خطاب الرئيس عبد الناصر كان مسموعاً من قبل كل مواطن عربي يفهم و يتحدث العربية، فهو موجه للجميع بإختلاف لكناتهم، وبالتالي لابد من اعتماد خطاب يفهمه الجميع.

2- المرحلة التي تلت انهيار الوحدة سنة 1961، خلقت بدايةً نوعاً من التشدد لدى المواطن العربي تجاه "لغة الوحدة"، و انعكس هذا بشكل واضح في الإعلام العربي على مدى السنوات القليلة التي تلت إنهيار الوحدة وبشكل خاص بعد أن أمسك حزب البعث العربي الاشتراكي زمام السلطة في كل من سورية والعراق وانتشار الخطاب القومي العربي في مساحات واسعة من الوطن العربي، كل هذا بدأ بالانهيار الثاني مع بداية تولي الرئيس المصري الجديد - أنور السادات- مقاليد الأمور في مصر.

ولن أتعمق في الهزائم التي مرت على الوطن العربي مع اسرائيل خلال هذه الفترة، لما لها من عديد المباحث و الانعكاسات المتداخلة، إلا أن لمشروع السلام و التطبيع مع إسرائيل و الذي وقعه السادات في أوائل عام 1981، تجلي واضح في الأنماط الإعلامية العربية.
حيث فرض إطفاء طابع محلي في الصياغات الإعلامية متجلياً بدايةً في الصياغة النصية التي بدأت تهاجم مجموة من الدول و الرموز العربية و المتمثلة بشكل أساسي بـ(سوريا، العراق ، ليبيا، الجزائر..) الدول التي كانت ما زالت إلى حد كبير تتبنى جماهيرها و حكوماتها، خطاب الثورة و الوحدة و المشروع القومي العربي.

ثاني التجليات أتت في الإسلوب الإلقائي و اللغوي في وسائل الإعلام و اللغة بشكل عام، حيث نشطت بعض المجامع العربية و اللغوين و المفكرين (في مصر) الداعين لتمصير الفكر و الثقافة و اللغة، و من أبرز رواد هذه المرحلة (يوسف أدريس، شوقي ضيف، توفيق الحكيم، إحسان عبد القدوس..).
وفي هذه المرحلة أتضحت بشكل أساسي معالم الإعلام المصري الحالي، حيث أن المنطق "الساداتي" أوجد لنفسه إستمرارية من خلال الرئيس المصري الحالي حسني مبارك.

3- المرحلة الثالثة و الأخيرة في عرضنا التاريخي هذا، تقف عند الحرب الأهلية اللبنانية التي بدأت سنة 1975، حيث أن الحرب فرضت و أسست لواقع الإعلامي اللبناني و العربي حينها و فيما بعد.
ففي مرحلة من مراحل الحرب كان لكل جماعة تقريباً محطة إذاعة أو تلفزيون، حتى أن بعد المحطات إنشأت من خلال غرفة أدعي أنها استوديو للبث، و جماعات أخرى أسست لها وسيلة إعلامية لكنها لم تبث ولا مرة، أو أنها ظهرت لفترة قصيرة و من ثم اختفت.
وعلى العموم، و مهما بلغت حصيلة المحطات و الإذاعات اللبنانية حينها، إلا أن طابع الدعاية السياسية و الفكرية هو من غلب عليها جميعها دون إستثناء حينها.
وعبر عن فكر و توجه كل جهة من خلال صياغات و لكنات ذات خلفية سياسية أو عقائدية أو فكرية معينة.
فالجمعات المسيحية المعارضة للاندماج في الكيانات العربية و المشروع العربي، و التي حاولت أن تجد لنفسها ملاذ في الغرب من خلال إدعائها أنها تعود لنسب (فينيقي) و ليس عربي، رغم ثبوت أن الفينقين عرب كنعانيون لكن اليونان كانوا يسمونهم (Phoinix ) بمعنى صانعي الإرجوان، و الإشارة إلى هذه المسألة توضح خلفية تبنيهم هوية أخرى غير العربية، فمتبنين هذه الفكرة تمثلوا لكنات محلية مطبعة بعدد كبير من الكلمات و المصطلحات الغربية على أساس أنهم من هوية انتماء أخر غير العروبة، بالتالي فهم لا ينتمون للغتها و لصياغاتها و مصطلحاتها.

و يعتبر مصطفى حجازي في كتابة التخلف الإجتماعي – سيكلوجيا الإنسان المقهور- أن نماذج الهزيمة التي تعرض لها الفكر العربي المتمثل بمشروع الوحدة بدايةً، و انتصارات الجيوش العربية الوهمية أما الاسرائيلين، و من ثم نموذج المزيج الطائفي و المعتقدي في لبنان هما من أهم أسباب ظهور هذا الفكر و هذا منطق المنقلب على ذاته، فالجدير بالذكر، أن نفس اللبنانين الذين تملصوا من العروبة و لغتها، حمى أجدادهم اللغة سابقاً.
فمن المعروف مقاومتهم هذه الفئة سابقاً لمحاولات التتريك العثمانية، و من ثم الغزو الثقافي القادم مع الإنتداب الفرنسي على سوريا و لبنان، و الذي استهدف اللغة في أحد جوانبه، فالمفكرين و الأدباء المنتمين للطائفة المارونية تحديداً، من أهم من تصدى لهذا الغزو، و ممن تمسكوا باللغة العربية الفصيحة حينها.
و يذكر الدكتور سالم المعوش، أستاذ من قسم اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية ، في دراسة التحليلية النقدية، للإذاعة و التلفزيون و الفضائيات في لبنان:
"أنّ ما يجري في الإعلام اللبناني، المرئي والمسموع، يشكّل انكساراً للقواعد الأساسية للغة الفصحى في نوع من مواكبة تيار الحياة العادي الجارف.. هذا التيار الذي حمل إلى الواقع اللبناني، ابتداء من سبعينات القرن العشرين، سلطات جديدة حلّت محل القديمة والسابقة لها، سلطات حملت واقعاً جديداً مدعوماً حيناً بالقوّة، و الطائفية حيناً آخر، والخارج في أحيان كثيرة، فكانت كلّ سلطة تحمل معها سلطة إعلامية جديدة، لتجد حيّزاً رحباً لتطبيق مبدأ الحرّية ( كما تراها )، ومن ثم وجدت هذه الحكومات أو السلطات، الفرصة السانحة لتطبيق أحلامها المجسّدة في مشاريع حملت العداء للعروبة، واستطاعت مع مضيّ الزمن أن تفرض سلطانها اللغوي، دون استحياء، على الوسائل الإعلامية في الجوانب الأخرى التي كانت تدّعي الحفاظ على العروبة ولغتها سليمة.. وليس هذا وحسب بل تسلّقت هذه السلطة الإعلامية إلى الإعلام الرسمي فسار على آثار الخطى الموجودة كأمر واقع
.."

الإعلام العربي، مرآة للهوية الإجتماعية أما للسياسة السلطوية:

أولاً أستعرض أحصائية حول واقع اللغة العربية و الصياغات الإعلامية في وسائل الإعلام العربية، من خلال رصد مجلة الإذاعات العربية (مجلة يصدرها اتحاد الدول العربية)لـ 140 محطة عربية متنوعة التخصصات و الإنتماءات و الخلفيات، و مصادر التمويل.

فتؤكد الإحصائية أن 63.8 % من القنوات العربية استعملة الصياغات الفصيحة التي تراعي قواعد اللغة العربية المقبولة في وسائل الإعلام المرئية المسموعة، مشيرةً إلى أن أغلب هذه الصياغات الفصيحة كانت في البرامج الإخبارية و الوثائقية، و أغلبها كانت من خلال محطات إخبارية متخصصة، أو وسائل إعلام رسمية، تنتمي لحكومات تتبنى الفكر القومي العروبي.
فيما توضح الإحصائية أن ما نسبته 25.3% أعتمد النمطين في الصياغات، أي العربية الفصيحة و اللهجات و اللكنات المحلية، مفيدةً أن أغلب هذه القنوات كانت ترفيهية، إلا أن هذا لم يمنع من تواجد لكنات محلية في البرامج الإخبارية لبعض المحطات خصوصاً في قوالب المراسلة المباشرة، وتقول الإحصائية أن أغلبية هذه القنوات انتمت للبنان، و أسندت أرتفاع النسبة بين المحطات اللبنانية إلى كثرة المحطات اللبنانية بالمقارنة مع عدد المحطات المنتمية لدول و ثقافات أخرى، كما أنها اعتبرت أن الواقع اللبناني المتنوع سبب في هذا الإنعكاس في الإعلام اللبناني، إلا أنها لم تقصي النموذج المصري، و الذي أعتبرته متبنى في بعض الإحيان لخطاب مُلكن حتى في نصوصة الإخبارية أو الجادة بشكل عام.

و توصلت الإحصائية أخيراً إلى أن 10.6 % من وسائل الإعلام العربية تبنت لكنات محلية أو ثانوية بالنسبة للغة الرسمية لهذه البلدان، وصنفت أغلب هذه المحطات التي تعتمد اللهجات المحلية، و التي لا تراعي أي قواعد للغة العربية في أي من برامجها، ضمن المحطات الترفيهية، و توكد الدراسة أنها متعددة الجنسيات و الإنتماءات، و جميعها تابعة لتمويل خاص، غير رسمي.


•الإنعكاس السياسي في الصياغات الإعلامية العربية:

اخترت هنا النموذج اللبناني كونه من أكثر النماذج إثارة للجدل و الانتقاد، فالعديد من الباحثين اعتبروه المؤسس الحقيقي للنموذج الإعلامي المعتمد على اللكنات في صياغاته على مستوى الوطن العربي، كما أن الإعلام اللبناني دخل كل بيت اليوم من خلال محطاته الكثيرة و المتنوعة، بإضافة لإعلاميه المنتشرين في عدد كبير من المحطات التلفزيونية و الإذاعية العربية.

و بالعودة لدراسة النموذج، نجد أن دعوة - أمين الجميل- لاتزال تجد أصداء لها عند الكثير من اللبنانيين، وهو الذي دعى إلى التخلي كلياً عن اللغة العربية فصحى أو عامية، و إحلال لغة أجنبية محلها لتعبر عن هويتهم وثقافتهم، "لأن اللغة العربية مصيرها الموت" على حد تعبيره حينها، كما ذهب سواه إلى أن العرب ليسوا أمة واحدة، وينطبق هذا على كثير من اللبنانيين الذين يجب ألا يتكلموا لغة واحدة لأنهم لا ينتمون إلى هذه الأمة.

يعقب الشيخ محمد مهدي شمس الدين، نائب رئيس المجلس الشيعي الأعلى، على واقع الإعلام اللبناني فيقول:
"إنّ ما يجري حتى في التلفزيون الرسمي هو ليس مجرّد انفتاح حضاري وثقافي وإعلام ولغة وحرية واقتصاد، هذه سياسة موجّهة من الخارج، وقد تكون بعض الأوساط اللبنانية متواطئة، سياسة تهدف إلى إفساد الجيل من الشبان اللبنانيين والعرب والمسلمين، وغرس بذور الجريمة والعنف وتحطيم الأسرة، لأنّ المسألة تتزامن مع ما يسمى نظام الشرق الأوسط الجديد أو مفاوضات السلام، يراد غسل أدمغة الشباب ليكونوا قطيعاً مطيعاً، بالإضافة إلى أنّ عدداً من محطات التلفزيون تعرض أفلاماً تروّج في باطنها للفكر الصهيوني والحركة الصهيونية، وكل ذلك في مظاهر بريئة..".

فيما يعكس التلفزيون اللبناني الرسمي ( تلفزيون لبنان)، واقع الحكومة اللبنانية بشكل دقيق جداً، حتى أنه اضطر إلى التوقف لمدة من الزمن بسبب العجز المالي فيه، وعدم قدرته على مواكبة التطورات الجديدة في الإعلام عموماً، إلا أنه يبدو حريصاً على اللغة العربية السليمة في برامج الأخبار، رغم أن معظم برامجه الأخرى هي بالعامية، ويحاول في هذا أن يعرض بعض البرامج القديمة، لاسيّما التمثيلية منها: التاريخية.

بالمقابل يعرض تلفزيون المنار فكره العقائدي و السياسي من خلال مراعته و اقترابه كثيراً من الفصحى الصحيحة في معظم برامجه، فمراقب بث هذه الإذاعة المرئية يلاحظ التزام مقدّمي البرامج بالفصحى إلا فيما ندر ووفق حالات خاصة، وتكاد تكون المحطة الوحيدة الأكثر إلتزاماً بالعربية، وهي التي أخذت على عاتقها الحفاظ على القيم الدينية والحضارية والوطنية والقومية.

و من خلال هذه الأساليب يتضح نهج الفئة الممولة و المالكة للمحطة ( حزب الله اللبناني) و الذي ينتمي لفكر محافظ عقائدياً و قومياً.
والجدير بالذكر أن نسبة الذين يحبذون الفصحى في لبنان لا تزال كبيرة، وأن الكثيرين لا يزالون يرونها سهلة، فقد أشارت إحدى الدراسات التي أجريت حديثاً في لبنان إلى أن 42.8% من اللبنانيين يرون أن الفصحى منطوق سهل، مقابل 61.2% يرونها صعبة بسبب القواعد النحوية والصرفية.

فيما يقبل 44.5% باستعمال اللغة العربية في الإذاعة المسموعة، و 43% في المرئية، بالمقابل 29% لا يرضون في المسموعة، 25.9% في المرئية، و24.9% لا فرق لديهم من استعمال العربية في المسموع و 26.4% في المرئي.
وترتفع نسبة القابلين للغة العربية في الإذاعات إلى 48.6% من المسلمين و 43.9% من المسيحيين، مقابل 28.3% من المسلمين و 30.1% من المسيحيين أبدوا رفضهم لهذه اللغة.
وأن 20% من المسيحيين 23.1% من المسلمين لا فرق لديهم في استعمال هذه اللغة.

والطريف في الأمر أن غالبية المعترضين على العربية الفصيحة في الوسط البناني أو غيره، يقبلون بل ويستمتعون بالبرامج المدبلجة عن المسلسلات المكسيكية مع أنها تدبلج إلى اللغة العربية التي لا يمكنا أن نتعتبر فصيحة تماماً، إنما تحاول أن تحاكيها.
وتشير النسب التالية إلى وضع اللغة العربية في ظل الظروف الحالية في الإذاعات المسموعة: 49.5% يرون أن اللغة العربية تراجعت و 24.9% يرون أنّها تحسنت. وفي المرئية: 28.5% يرون أنّها تحسنت و47% يرون أنها تراجعت، ( الإحصائية للدكتور نسيم خوري- وردت في نص محاضرة حول "الإعلام في لبنان و انهيار السلطات اللغوية").

ولو ألقينا نظرة على النموذج الإعلامي العربي الرسمي وحللنا نصوصه الإعلامية الرسمية المطبوعة أو المسموعة أو التلفزيونية، فلن يكون من اليسير ملاحظة أن هذه اللغة أو الأنماط في الصياغة، لا تمت إلى التجميل والتصنيع بصلة، وإنما تذهب في كثير من الأحيان إلى التحذلق والتكلف، و صاحب هذه اللغة لا يجد سبيلاً إلى إثبات براعته ، إلا أن يمد معانيه بكل وسيلة ممكنة، ولا يرى مانعاً في أثناء هذا الامتداد من اللجوء إلى المبالغات والتهويلات والاعتداد بكثرة العبارات، حتى ليخيل للإنسان أنه يقرأ ويسمع أساليب كتبت لتحفظ لا لتعبر عن معنى، فالمعاني فقدت قيمتها ولم يعد لها أهمية، إنما الأهمية كلها للألفاظ و ما حمل من مبالغات و تنميقات، مما يؤدي إلى ترسيخ الأساليب المحفوظة التي تورث وتكرر وتردد، دون أن تفصح عن فكرة محددة، فلى سيبل المثال: هناك مقدمات يقدمها المحرر " لا تعبر عن معان واضحة وإنما عن صورة جامدة مبتورة.

و في حال بحثنا في صياغات و نماذج إلقاء إعلامنا العربي الرسمي، لما وجدنا سوى المكرر و المعاد..
وهذا إنما يعكس واقع هذه الحكومات و تجلياتها
.

 

 
 

أرشيـف الموقـع

 

 

 

يارا العيسى

yara.issa@gmail.com

 

 

 

جماليـــات

إضــــــاءات

حــوارات مقـــــــالات تر جمــات دراســـات نصــوص سرديــة بطاقـة تعريـف   
للاتصـــــــال خدمــــــــات

خــــــاص

مواقع مفضلـة مواقع صديقة مكتبات الموقع كشك الموقـع موارد نصيــة

 

موقـع محمد أسليـــم - تاريخ الإنشاء: 27 ينايـر 2002.