محمد أسليــم

سفر المحبــة (3)

تذكيــــــر:

«... فإن أفلحتَ في إقناعه فقد كفيتني شرَّه، وإلا فاخبرني لأني سأجد نفسي آنذاك مضطرا لسد ثغرات هذا النص بأن أحدثك عن الحُبِّ الطورُّوبريَّاندي، فأروي لك عن المرأة التي إن أحبتك قتلتك، وعن التي تأويك في ضريحها أياما طوالا وكلما قلتَ لها: "قبِّليني" أجابتك: "اتق لعنة الدراجة، فأنا امرأة محصَّنَة أخشى بطش الإلهين"، وعن الرجل الذي يغار على زوجته فيعمد إلى بطن بلاستيكي ويلصقه بجسمها دون علمها فيُرعب الرجال بحبلها الوهمي أحقابا وسنينا... ثم أحكي لك عن السياسة الطوروبرياندية فأقص لك عن الإصطبل المركزي الذي يُدعَى الـ "طَّانْ الرَّان ضُو" (مجلس التشاور) ونقاشاته البيزنطية وحروبه البونيقية، وعن الرجل الذي جعلوا على فمه كمامة وأودعوه السجن لأنه كشف عن اللص الذي سرق أوراقا تفوح منها رائحة براز الكلب، وعن المرء يقول: "لقد أوحي إليَّ من العلم ما لم يوح بمثله لأحد من قبل. فانصبوا لي خيمة وهاتوني قصبا وسكينا أجعل لكم الأوراق دولارا، والحمير أبقارا، والصحاري أنهارا"، فيُمنَح ما طلب، غير أنه ما يكاد يدور عليه الحول حتى يخرج شاهرا دبُّوسا في يد وخنجرا في الأخرى وهو يصرخ: "أين الأعمى؟ أين الأعرج؟ أين الساحر؟ أين الراهب؟"»

محمد أسليـم، «سفر المأثورات (4)»، الملحق الثقافي لجريدة الاتحـاد الاشتراكي، العدد: 411، الأحد 19 يوليوز 1992.

إذا ظننتَ أن وصف المرأة الطوروبرياندية السابقة لدهاليزها وشعابها الباطنية يثني الرجل الطوروبرياندي عن الاستسلام لكل امرأة صادفها في الطريق وأطالت النظر في قبعته وتفحصته من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، ثم اصطنعتِ العثار إلى أن سقطت، ومكثت ممددة حتَّى إذا تحَلَّق حولها جمعٌ من الناس راوغت الجمعَ كي تختلي في اليوم الموالي بالذي اشتهته نفسها...، إذا ظننتَ ذلك أخطأتَ لأنه يمكن للرجل منهم دائما أن يسبق إلى إيجاع المرأة ضربا قبل أن تسبقه هي. ويتم له ذلك على النحو التالي: ما أن تجتاز قدماها عتبة باب المنزل حتى يصطنع حاجة كأن يزعم أنه ذاهب إلى الميضاء، فيأخذ فعلا وجهة بيت الماء، فتصدقه مُرافقته، وتنصرف باحثة عن مرآة وقوارير عطر ومراهم لتتجمل وتتعطر، لكنها ما تخطو خطوتين أو ثلاثا حتى يبحث هو عن أقرب شيء إلى يديه، فيصنع منه عصا يحكم شد قبضته عليها، ثم يرتمي على صاحبته من الخلف هاويا على عجزها بضربة تتصدع من وقعهـا الأبواب والنوافذ. يفعل ذلك وهو يقول: «هات نرى أولا إن كان جحرك على ما وصفت أم أنك من الكاذبات». إن استجابت للضربة بصرخة مُدوية أيقن أنها فعلا امرأة من لحم ودم، فاستجمع قواه وأعدَّ عدة اجتياز امتحان البقاء في الفراش أياما وشهورا على نحو ما سبق ذكره، إذ ما أن تسكن أوجاع المرأة حتى تنقض عليه كالأخطبوط وهي توسعه شتما: «خسئت يا رجل! أتستخف بالنساء المحصنات؟! أتحسب أني جئتك ابتغاء نسك وعبادة أم ترى قَدَمَيَّ أخطأتا وجهة الكنيسة؟! لن يخلصك مني إنسي ولا جني ما لم تسقني إلى أن تبل عروقي (...) هات قبعتك ولا تجادلني! هات القبعة! هات القبعة!»...

أما إذا لم تصرخ، فيتضح له أنها امرأة من خشب، إذ عقب الضربة مباشرة يسقط من خلف الزائرة شيء يشبه صندوق خشب دائري، فإذا به ينشطر ويصير نمرقين. وآنذاك يصرخ في وجهها قائلا: «تلاوتك لا تزن كيلوغراما لحما، ومع ذلك بدلا أن تستحيي وتشكري الإلهين على الخلقة التي صَوَّرَاك عليها وتستأصلي من ذهنك الرغبة في الرجال وقبعاتهم، عمِدت إلى التجمل والتعطر، فاستنفختِ وتحزَّمتِ وترَزَّمتِ فصرتِ لا تقوين على الخطو إلا متهادية متمايلة كناقة أبيك، وصار ما من رجل استدبرك إلا وانخدع، فهاجت رغباته وماجت، واشتهاك إلى أن سال لعابه...». ويقصد بذلك أنها ليست في المستوى المطلوب من عظم المؤخرة، وضخامة الصدر والجيد، وأنها، لتَضَعَ حدّاً لعزوف أبصار الرجال عن دهاليزها وشعابها الباطنية، عَمدَتْ إلى دكان الأفرشة (بدلا من دكان بيع الأعضاء الاصطناعية مخافة أن تُضْبَطَ أو يشي بها أحدٌ)، فاشترت نمرقين عظيمين، وصارت كلما اشتعلت نيران رغبة الرجال بين فخذيها، ألصقت النمرقين بشطري مؤخرتها بحيث يتدليان من ورائها كالطودين العظيمين؛ كلما استرسلت في المشي تمايلا وتأرجحا إلى أن كادا يسقطانها من فرط الثقل وجذبا أبصار الرجال وأسالا لعابهم شهوة، فتمضي وجحافل الصيادين من ورائها ناصبين فخاخهم وشراكهم، تابعين مُسَرنمين، وهي تنتقي المرشحين وتقصيهم واحدا واحدا إلى أن تعثر على الذي اشتهتهُ نفسها، فتوقع به، وتسوقه إلى بريتشه طامعة في أن يشبعها لاكص فاكص إلى أن تقول كفى.

وآنذاك يتجرد من الملابس، ويشهر قبَّعَته، ثم يندس في الفراش، ويجر الزائرة من تلابيب حائكها إلى أن تندس بجانبه بعنف، وهو يصرخ في وجهها: «خسِئتِ يا وسخة الإست والفخذين! أحسبتِ أني ما زلت طفلا أمص أصبعي أم حسبتِ أن دخول الحمام كالخروج منه؟! لن يخلصك مني إنسي ولا جنِّي ما لم تنفتحي إلى أن أروي شعابك وأعشابك الباطنية إلى أن يطفح الحليب على عروقك وعظامك. هات ضريحك المزعوم ولا تجادليني! هات الضريح! هات سِرِّكِ!». وبالفعل، فإنه لا يكون بوسع أي إنسي أو جني أن يخلصها منه، لأنه يلتوي عليها كالأخطبوط ولا يخلي سبيلها إلا بعد انصرام أيام أو شهور تصرفها الزائرةُ في الترنح تحته وهي تستعطفه بالإلهين، والساحر، والراهب، وترتيل أناشيد دينية، واستظهار مقاطع من سفر المأثورات، عساه يأذن لها بالقيام ولو لبضع دقائق كي تسترجع أنفاسها أو تشرب جرعة ماء أو جعَّة دون أن ينفعها الاستعطاف في شيء، لأن جلادها لا يخلي سبيلها إلا بعد أن يكادُ يُزهِقُ روحَها بوسا وعناقا، وأذنها تصمى من دقات الطبول وهدير البرابط ونواح المزامير، وسرها ينكشف من اللاَّكص فاكْص الذي لا يمسك عنه إلا بعد أن يسمع نداء يتردد في شعابه الباطنية «كفى، فقد رويتها وارتويتَ».

*

*       *

إذا استخلصْتَ مما سبق أن ما من امرأة طوروبرياندية إلا وتقودها مسالك شهواتها إلى خيانة زوجها أخطأتَ لأن الرَّجُل الطوروبرياندي متى استحوذت عليه الشكوك إلى أن نكصت عليه العيش ثار في نفسه قائلا: «لا سُولُولُو ولا وولولو، لا سِفر ولا حِبر، لا مأثورات ولا متروكات، لا محظورات ولا مأمورات، لا راهب ولا ساحر ولا هم يحزنون. اليوم سأصفي هذا الحساء إلى الأبد». وبالفعل، فهو يصفي حساءه إلى الأبد، إذ يعمد إلى حانوتٍ لبيع اللوازم الرياضية، فيشترى كرة قدم، ثم يعرج على بائع لأعضاء الجسد البشري الاصطناعية ويشتري بطنا بلاستيكيا، ويحشو الكرة في البطن، ثم يعود إلى المنزل مهرولا، فيصطنع الاستعداد لخلوة خدمة الإلهين، فيتوضأ وضوء الهواء، ويشفعه بوضوء الماء، ثم يتجه إلى التنور، ويوقد نارا، ويسجد لها، ثم يغرق في خشوع ظاهري لا يقيمه عنه طوفان ولا زلزال، وهو يتلو مقاطع من سفر المأثورات إلى أن تيأس زوجته وتغسل يديها وتنفضهما من قيامه لِما يُواَجِهُ به طلباتها ورغباتها ونداءاتها إياه للأكل أو النوم من رفض قاطع، يعبر عنه بتحريك رأسه ويديه دون شفتيه ولسانه، فتفتح الزوجة كيسا وتخرج منه مسحوق ما ادَّخَرَته من نوم، تنثره فوق جسدها، ثم تدخل في سبات عميق يطول عامين أو ثلاثة. وآنذاك، يقوم الزوج خلسة ويدسُّ في أنفها مسحوق مضاعفة النوم ليجعلها تنام ست سنوات إذا كان مجموع ما ادَّخرَته ثلاثا، وثماني سنوات إذا كان مجموع ما ادَّخَرَته أربعا، إلخ. وبذلك يخلو له المجال، فيخرج إلى سوق الأفرشة، ويحَمِّلُ قافلة من النوق والجمال بالزرابي والأرائك والأواني والخوابي والدِّنَان والأباريق والكؤوس...، ثم يعرج على سوق النخاسة فيشتري نائحاتٍ ومغنياتٍ وماشطاتٍ وراقصاتٍ ومهرِّجَاتٍ ومُغَسِّلاتٍ، ويسوق الجمع إلى البيت ليصرف السنوات السِّت أو الثمان في اللهو، والمجون، ومعاقرة الخمرة، والدوران من حوله، والفقز في الهواء، والارتماء على أضرحة النساء، والاستماع إلى أغاني ماكولا والاطوم، وزوجته نائمة لا تعي مما يجري حولها شيئا... وإن فطن الزوار، صدفة، إلى مكان نومها، وقالوا له: «أما استحييت؟! تأتي الفحشاء في عقر دارك وربَّةُ البيت نائمة!» كشف لهم عن أضراسه، ثم أجابهم: «اتقوا الإلهين يا سادة، فإن بعض الظن إثم! اعلموا أني لم أبلغ سن الزواج بعد، وها أضراسي لا زالت مبللة بحليب أمي. أما التي ترون فما هي إلا أخت لي أصابها مرضٌ عضالٌ، تحتضر على إثره منذ سنين، ولذلك أحضرتُ النائحات...»، وإذا شاع الخبر في المدينة وجاء أهلها لزيارتها أو الاطمئنان عليها صدَّهُم قائلا: «يا سادة! اعلموا أن ابنتكم الآن منقطعة لعبادة الإلهين، وقد حرَّمَت على نفسها أن ترى بشرا أو تجالسه ما لم يتجلَّ لها وجه الرَّبَيْنِ اللذين هي مستغنية بهما الآن عن البشر قاطبة...»، فيصدقونه فورا لأن الطوروبريانديين يُبيحون الافتراء على كل شيء إلا الآلهة. أقول: يدس في أنفها مسحوق مضاعفة النوم، ثم يجردها من الملابس، ويضع الكرة فوق بطنها، ويغطي الكرة بكيس يحكم إلصاق جوانبه بلصق يشبه البشرة الآدمية. وعندما تقوم الزوجة يخيَّلُ إليها أنها لم تنم سوى ليلة واحدة، فتقوم فرحانة مهللة مسبحة مكبرة متعجبة: «يا سبحان الإلهين!، يا سبحان الإلهين! قد حَبلتُ وأنا نائمة!»، وهي تكون في ظنها صادقة لأن الحبل عند الطوروبيانديين يتم في وقت قياسي، إذ يكفي أن تركب المرأة درَّاجَة عادية أو نارية وتطوف بشوراع المدينة مرة أو مرتين فإذا بها تنزل عنها وبطنها منتفخ كقنبلة، ويكفي أن يشتهي الرجل امرأة وهي مارة في الشارع فتنتفخ أحشاؤها وما تكاد قدماها تجتازان عتبة المنزل حتى تضع مولودين أو أربعة... وهذا هو السبب في كون الرجل منهم يفتض زوجته في الفجر، ويستيقظ في الصباح الباكر على صراخ طفلين أو ثلاثة يزلزلون أركان البيت صراخا وزوجته تصمي أذنيه زعيقا بأن «كفى نوما! كفى نوما! قم إلى الصيدليةِ احضِرْ لأطفالك خرقا وحليبا ودواء»... أقول: يصفي الزوج حسوته فعلا إلى الأبد، فيصير بوسعه من الآن فصاعدا أن لا يغلق المنزل خلف زوجته بمفتاح، ولا يجبر نساءه وبناته على أداء يمين الإخلاص في غيبته، كما يصير بوسعه أن يتركهن ينمن خارج البيت كم شئن من الليالي، ويدعهن تخالطن ما شئن من الرجال دون أن يخشى أن تمتد يد أحدهم إليها أو يغويها بطول قبعته أو عرض تلاوته. ذلك أنه من اليوم فما فوق، ما من رجل سيجازف بوضع عينيه على المرأة إلا وسيصده البطن، فيعود على أعقابه خاسرا لما يستحوذ عليه من رعب الانتفاخ. والسبب في ذلك هو أن الطوروبريانديين لم يكتشفوا سر الحمل والولادة بعد، كما مر معنا في الصحيفة الأولى من هذا السفر... تظل المرأة كذلك إلى أن تصير عجوزا لا يطمع فيها أحد، وتيأس من الوضع. وآنذاك إن شاء التخلص منها أحضر فتاة لم يتجاوز سنها خمس عشرة سنة، وحمل العجوز في قفة ثم وضعها في قارعة الطريق أو تصدق بها على من شاء، أو حملها إلى دار العجزة حيث تظل خمسة أيام أو ستة ثم تموت. أما إذا شاء مواصلة مشوار الحياة معها، فإنه يعود ذات يوم إلى المنزل مصطنعا فرحة لا تسعها الدنيا، بعد أن يكون قد تواطأ مع حكيم مزعومٍ، فيخاطب زوجته قائلا: «أي نور عيني وفلذة من كبدي. قد وجدتُ أخيرا من يعيد الثيب بكرا والعاقر حاملا، والذميمة غصن بانٍ أو قضيب ريحان... وقد أقسَم باليمين المغلظ ألا تخرجي من عيادته إلا وقد وضعتِ ما ببطنك»، فيتوجه الإثنان إلى مصحة الطبيب المزعوم، فيُنزَع عنها البطن البلاستيكي، ويقال لها عند قيامها: «إنما كان بك مرضٌ، وها قد خلصناك منه»، فيريها الحكيم قطع لحم وأورام يكون الزوج قد اشتراها من المجزرة في الصباح الباكر وأودعها خفية في «المصحة»، يقال لها ذلك ما لم يأتِ زوجها بمولود حقيقي تكون وضعته له إحدى عشيقاته السِّرِّيَّاتِ، فيتحيَّن نوم زوجته، ويدسُّ في أنفها المسحوق المنيم، وينزع عنها البطن البلاستيكي وكرة القدم، ثم يذبح دجاجة فوق السرير، ويلطخ بدمها المآزر والأغطية، فما تفيق المرأة إلا وصراخ الطفل يصمي أذنيها، فتفرح أيَّما فرح معتقدة أنها قد وضعت أخيرا ما ظل راقدا في بطنها أحقابا وسنينا، وتطلق زغرودة توقظ بها سكان الحي قاطبة، ثم تبيع خلاخلها وأقراطها ودمالجها وأسورتها، وتصرف أموالها في إطلاق البريح في أرجاء المدينة بأن: «يا معشر الناس! اعلموا أن فلانة بنت فلانة قد وضعت ليلة أمس مولودا ذكرا، اسمـه كـذا، لونـه كـذا، طوله كذا، وزنه كـذا»...

*

*       *

إذا كنت رجلا طوروبريانديا وظننت أنه يمكنك أن تحول منزلك إلى حانة أو ملهى للمجون والرقص، بأن تنيم زوجتك على جنبها الأيمن أعواما وسنينا، وتلصق بجسدها بطنا بلاستيكيا، فيعود بوسعك أن تسوق يوميا قطعان النساء، وتعاقر معهن الخمور، وتأتي الفواحش، متستمتعا بأغاني ماكولا والاطوم، قافزا في الهواء، مرتميا على أضرحة النساء... إذا ظننت ذلك أخطأتَ لأن امرأتك يمكن أن تعرف ذلك بسهولة وتتظاهر بأنها لم تعلم منه شيئا، بل إن شاءت ذلك تلهفت على يوم تقودك الشكوك في تصرفاتها إلى التفكير في إلصاق بطن بلاستيكي خفية في بطنها، ولأجل ذلك فهي تفعل كل ما في وسعها كي يتأتى لها ذاك في أقرب وقت ممكن. وهذا هو السبب في كون الرجل الطوروربرياندي صار اليوم يفتض زوجته ليلا فلا يصبح عليه الصباح ويقوم من الفراش حتى يجدها قد استيقظت قبله، منذ الفجر، ونصبت فخاخا وشباكا وشراكا قبالة باب المنزل، وأخرجت غطاء وكرسيا وجلست تنتظر أول رجل يمر من الزقاق كي تصطاده وتوقع به. وهكذا ففيما يكون رجلٌ ما سائرا تصطنع هي غسل واجهة المنزل، فما أن يقتبل المار باب البيت حتى تلقي عليه بسطل ماء، فيتبلل جلبابه، وفور تهرول نحوه مغلظة القسم بالإلهين أنها ما فعلت ذلك عمدا، ثم تسحب الأجنبي من اليدين إلى داخل المنزل زاعمة أنها ستنشف جلبابه حالا بمكواة، لكن ما أن تطأ قدماه الباب حتى تجرده من الملابس وتسوقه إلى السرير لتمد يديها إلى قبعته... حتى إذا قام زوجها من النوم وسألها: «من يكون هذا الغريب؟ ماذا تفعلين معه يا عاهرة؟»، صَرَفتِ الغريب قائلة: «معذرة، ثم معذرة يا ولية الإلهين الصالحة! عودي غدا صباحا في مثل هذا الوقت كي أكمل تجفيف ما تبقى من ثيابك». وما أن تطمئن إلى انصراف الأجنبي حتى تصرخ في وجه زوجها قائلة: «كدتَ تصُبَّ علينا غضب الرَّبَّيْنِ من شدة نهيقك: ففيما كنتَ أنتَ تملأ المنزل شخيرا، قمتُ وتطهرتُ، وأوقدتُ نارا في المعبد، وعبدتُ الإلهين، ودعوتُ باليمن والبركة لك ولأبنائنا القادمين، ثم خرجتُ أنظف باب المنزل، فإذا بي أسكب الماء سهوا على الرجل الذي انصرف قبل قليل، فنزل عليَّ وحيٌ خاطبني قائلا: «كدت أن ترتكبي معصية! فقد أسأت للولية الصالحة التي امتحناك بها باعثين بها إليك بصورة رجل!»، وإذا بالتي توهَّمتَها رجلا تستشيط غضبا وتتأهب لإنزال وابل من دعوات الشر علينا لولا أن ألححتُ عليها بالتوسل ووعدتها بتجفيف ملابسها. وفيما أنا على وشك الانتهاء من ذلك، إذا بك تفسد عليَّ قدرة التركيز فابتل الجلباب من جديد...». صبيحة الغد، يفيق الزوج، فيجد زوجته قد استيقظت قبله واختلت بالأجنبي السابق، فما يفوه ربُّ البيت بنصف كلمة حتى تصرف امرأته الغريب ضاربة له موعدا جديدا... وهكذا إلى أن تمر ثلاث سنوات والجلباب لم ينشف بعد، فلا يجد الزوج بدا من التوجه إلى دكاني اللوازم الرياضية والأعضاء الاصطناعية... أما إذا كان المار بائع أرغفة أو زعفران أو بيض حمام، فإن الزوجة نفسها تستوقفه وتمطره بأسئلة تقتضي الإجابة عنها صرف ساعات طوال في البوس والعناق واللمس، ثم تطيل النظر في محياه وقبعته وهي تمسكه من اليد من حين لآخر إلى أن ينضج ويهترئ، ويندس وراءها في الفراش ويمكث ملتصقا حتى إذا أفاق زوجها وسألها صارخا متعجبا: «من يكون هذا الغريب؟ ضبطتك يا عاهرة!»، صرفت الذي اشتهته نفسها بسرعة البرق بعد أن تضرب له موعدا لصبيحة الغد، ثم تصرخ في وجه زوجها معنفة متعجبة: «ياسبحان الإلهين! ياسبحان الإلهين! عجبا من رجل جعل عقله بين فخذيه ثم حسب الناس كلهم مثله! أو تحسب أني كنت أخونك؟! استغفر الإلهين يا رجل! استغفرهما فقد قطعت الوحي! قطعت الوحي!. إني استيقظت قبلك، وتطهرت، وأوقدت النار في المعبد، وجلست أدعو الرَّبَّين كي يرزقاني منك أموالا وعيالا... وفيما أنا خاشعة نزل علي هذا المبعوث من السماء يبلغني وحيا، فإذا بك تفسده بنهيقك!». وبالكيفية السابقة، تسوف زوجها سنينا وأعواما تتهمه طيلتها بإفساد الوحي إلى أن لا يجد بدا من استئصال الشكوك التي تخامره في نوايا ربة بيته، فيحضر كرة القدم ويصطنع الاستعداد لخلوة عبادة الدهر، ويتوضأ وضوء الهواء، ويقرأ سفر الماء، ويوقد نارا في المعبد، إلخ. وزوجته تراقبه سرا متظاهرة بأنها لا تعلم شيئا مما يُدَبَّرُ لها، ثم تتظاهر باليأس من قيامه، فتخرج كيس ادِّخار النوم، وزوجها يراقبها سرا وهو لا يعلم أنها تعلمُ أنَّه يراقبها دون أن يعلمَ أنها تعلم أنه يراقبها سرا، وتتجه إلى الميضاء، وتغلق خلفها الباب، ثم تفرغ ما بداخل الكيس في ثقب بيت الماء، ثم تخرج، وتتمطى في الفراش، وتتمدد على جانبها الأيمن، وتتوسد يُمناها متظاهرة بالسفر في النوم العميق تاركة الزوج يلصق البطن بجسمها. وما تشرق شمس الغد إلا وقد استيقظت الزوجة باكرا ونثرت ما ادَّخرته من النوم ومُضَاعِفُه على جسم زوجها ليلازم هو الفراش ثلاث سنوات أو أربع نوما، ثم تطلق ساقيها للريح تجوب الشوارع والحانات والكنائس باحثة عمن اشتهتهم نفسها...

وقـد فطنت أغلب النساء الطوروبريانديات اليوم إلى هذه الحيلة بحيث صرن يتضاحكن ويتغامزن كلما رأين امرأة جميلة ضامرة البطن، فيصفنها بالبلادة والجبن والخوف، ويتشاتمن بذلك في الأعراس وكافة أماكن تجمعاتهن، كالحمام، والساحة العمومية، ومحلات شرب الجعة والإنصات إلى نواح النائحات المرفوقة بالأناشيد الدينية، فتقول إحداهن للأخرى متى أغضبتها: «أنت امرأة لا خير يرجى منك. فقد مر على زواجك ثلاث سنوات ولم يلصق لك زوجك بطنا بلاستيكيا بعد»، أو «اغلقي ميضاءك يا شبه امرأة ولا امرأة! فأنت لا تساوي حتى عفطة رجلي على الأرض. وهاهو الدليل القاطع [تخلع ملابسها، وتزيل لصق البطن، ثم تخرج كرة القدم، وتفرغها من الريح، ثم تعيد ضخها بالهواء]. فأنا ما أن ارتبط بي زوجي بالرباط المقدس وختم بطابعه على سري حتى أجبرته على أن يلصقه [=البطن] لي، فكانت قبعة أخي هي ثاني قبعة لبستها بعد قبعة بعلي، ومنذ ذلك اليوم وأنا خارج المنزل مطلقة ساقي للريح، أجوب الأديرة والحانات والكنائس باحثة عما اشتهت نفسي من الرجال وزوجي قاعد في البيت ينتظرني. هل تقوين أنت على مثل هذا؟ هه؟ أتقوين أنت على ذلك؟ هه؟! هه؟!». وكلما رامت ضامرة البطن الدفاع عن نفسها أفحَمَتْهَا مُعَيِّرَتُهَا صارخة في وجهها: «صه يا عاهرة! صه يا عاهرة!» صه ياعاهرة!»...وآنذاك تصير الحبلى زعما ما أن تخرج من البيت حتى تنزوي في أول ميضاء عمومية أو زقاق فارغ، فتقتلع البطن البلاستيكي من جسمها وتتدبر أمر إفراغ الكرة من شحنة الهواء كأن تفتح سداد ثقب ضخ الهواء، بـمِفكٍّ برَاغِيٍّ تكون سرقته لزوجها أو تثقب جلد الكرة بإبرة تصنعها من قرطها أو خلخالها أو إبرة طرزها، ثم تطوي الكرة طيات أربع، وتدسها في جيب سروالها، وتنطلق جارية تتجول في المدينة تصول وتجول مصطادة من الرجال ما تشاء؛ تقضي معهم شهورا وأعواما تروي فيها زغباتها العطشانة بعصر القبعات على نغمات السيدة ماكولا والاطوم، وزوجها ملازم البيت، ممدد في فراش النوم، متوسدا يمناه... حتى إذا حنَّت إلى بيتها وأبنائها وتحرك موج الأشواق بداخلها موج الأشواق إلى أبنائها عرجت على أول مصلح للدراجات العادية وأخرجت الكرة من جيبها وأعادت ضخها بالهواء، ثم قالت لصبي تتدبر أمر الحصول عليه بإحدى الحيل كأن تقف بباب مدرسة، وتتشبه بأمه، فتجره من يده، وهي تمسح دموعه بقطعة حلوى قائلة: «هاك الكرة يابني... لاتعِدْ فشها مرة أخرى»... وبالطريقة نفسها تنزوي تحت أول شجرة نخيل تصادفها أو في ركن خال بأحد الأزقة أو تحت شجرة نخيل، فتعيد تركيب بطنها البلاستيكي كما كان، وتدخل إلى البيت، فتوقظ زوجها من النوم، وتثب على وجهه، وتغرقه بالعناق والبوس، وهي تدعوه للفراش حيث تلازمه أشهرا، وكلما سألها: «أين كنت طيلة هذه المدة يا امرأة!»، راوغته قائلة: «أي حبيبي ونور عيني! انظر كم سمنتُ. أنا الآن ملك لك، فخذ مني الشعر والعينين، والجبين والخذين، والضريح والنهدين، والبطن والساقين، واللسان والشفتين»، رامية من وراء ذلك إلى طمأنته بأنها لم تخنه. وهو ما يتأتى لها فعلا، لأن الزوج يصدقها فيلازم الفراش شهورا، لا يتململ عنه قيد أنملة، وذلك لسببين:

الأول: أن زوجته تكون فعلا قد غلظت، وللسمنة عندهم قيمة جمالية لايجادل فيها إلا زنديق، وهذا هو السبب في كون كل امرأة تفعل جهد ما في وسعها لتصير أغلظ من الأخرى، وفي كون المرأة عندهم لا توصف بالفاتنة إلا إذا كان جسدها من الضخامة بحيث إذا جلست على زوجها أردته قتيلا، وإذا جلست إلى مائدة الطعام لم تقم عنها إلا وقد التهمت كبشا أو كبشين، وإذا احتست الجعة لم يتمايل رأسها إلا وقد ألقت حولها بجبل من القنينات الفارغة، وإذا خرجت إلى البستان وتسلقت شجرة ثقلت أعراشها وأغصانها فاكهة لم تنزل عنها إلا وقد صيَّرَتها أخف من ذبابة، وإذا اشتهت لباسا قضت النساجة شهـرا في نسجه والخياطة شهـرين في خياطته، وإذا زفت إلى زوجها لم يقو على حملها إلا عشـرة رجال فما فوق.... وهم يتداولون في ذلك أشعارا كثيرة لا يسع المقام لذكرها...

أما السبب الثاني، فهو اطمئنان الزوج إلى أن امرأته لم تخنه فعلا، لأنها لم تمنح لأي من الرجال الذين قد تكون اصطادتهم أو اصطادوها، طيلة مدة غيبتها عن المنزل، السِّرَّ والفمَ مجتمعين. وليس في ذلك حرج عند الطوروبريانديين. وتفسير ذلك أنها تكون، في نظر الزوج، إما اصطادت رجلا وهوى على عجزها، على نحو ما بيناه أعلاه، ووجدها امرأة من لحم ودم، وشاء التخلص من ضرباتها، فعمد إلى حيلة أخرى: همَّ، مثلا، بالاستجابة لأوامرها، ثم عزف عن ذلك قائلا: «علمتُ علم اليقين أنه ما ساقك إلي إلا بحور الشهوات، لكن اعملي يا سيدتي أنَّ لي قبعة لا تستوي إلا بالقبل، ولذا فلست بقادر على سقي أعشابك إلا إذا جعلت لي من التقبيل فراشا واللثم غِطاءً. فهات فمك ولسانك ولا تجادليني...». غير أنها رفضت ذلك قطعا - في ظن بعلها دائما - قائلة: «اتق لعنة الدراجة! فأنا امرأة محصنة أخشى بطش الإلهين. أنا الآن مِلك لك. فخذ مني الشعر والعينين، والجبين والخذين، والضريح والنهدين، والبطن والساقين، ولا تأخذ مني قبلة واحدة». وهي تكون في قولها صادقة لأنه ورد في سفر المأثورات: «واعلم أن المرأة نصفان: علويٌّ وسُفليٌّ. العلوي لبعلها والسفلي لمن اشتهته نفسها». وهذا هو السبب في امتناع المرأة الطوروبرياندية عن القبل، وفي شيوع الشتيمة التي استهللنا بها هذه الأسفار: «نساؤكم محتجباتُ الصَّدْر، سافراتُ العَجُز»... أو أنها اشتهت أحدهم واصطنعتِ السُّقوط إلى أن تحلق نفرٌ من المارة حولها وزوجها وأبنائها، فضربت موعدا لعاشقها، كي تلتقي به في الأسبوع المقبل، فما أن تأتى لها وصاله والاختلاء به حتى تجرَّدت من ملابسها جميعا إلا سروالها، وأغرقت الذي اشتهته نفسها في القبل واللثم واللمس والعناق وترديد مقاطع من أغاني ماكولا والاطوم... غير أنه كلما رام خلع تبانها صَدَّته قائلة: «اتق لعنة الدراجة! فأنا امرأة محصنة أخشى بطش الإلهين. أعاشق أنت أم طالب أولاد؟! أنا الآن مِلك لك، فخذ مني ما شئت. خذ الشعر والعينين، والجبين والخذين، واللسان والشفتين، والبطن والساقين، والجيد والنهدين، ولا تجادلني في الضريح ولو لإطلالة»...

 

 

 

نصوص سردية

 

سفر المحبـة

المحتــوى

سفـر المحبـة (1)

سفـر المحبــة (2)

سفـر المحبـة (3)

مسودة البواقي في نص واحد

 

 
 
 
جماليـــات صالـون الكتابـة

حــوارات

مقـــــــالات

تر جمــات دراســـات نصــوص سرديــة بطاقـة تعريـف   
للاتصـــــــال خدمـــــــــات

خــــــاص

مواقع مفضلـة مواقع صديقة مكتبات الموقع كشك الموقـع موارد نصيــة

موقـع محمد أسليـــم - تاريخ الإنشاء: 27 ينايـر 2002.