|
على إثر
تجربة لي كبير نفساني في مصلحة تستقبل المرضى المغاربيين[1]، لاحظت أنه
غالبا ما يتم استخدام الجسد للتعبير عن معاناة لا يمكن نقلها بطريقة
أخرى، فأتاحت لي تلك التجربة استخلاص ملاحظات ثلاث أساسية أمكن انطلاقا
منها صياغة إشكالية هذه الأطروحة:
1 - الطريقة
التي يعبر بها العمال المغاربيون في الخارج عن أعراضهم يمكن أن تبدو
مختلفة، بل وأحيانا «غريبة جدا» في نظر هيئة طبية تلقت تكوينها وضعانيا.
وللتمثيل
على هذه الملاحظة إليكم باختصار شديد حالة عامل سأطلق عليه اسما مستعارا
هو «علي». فقد كان عمره 46 عاما لما تعرفت عليه – إثر دخوله المستشفى –
بسبب تشنجات معوية – بطلب من رئيس المصلحة الذي قال لي: «أبلغني
الداخليون أن السيد عليا يهذي، فحاول أن تتحدث معه كي نتحقق من الأمر...
إن كان يهذي فعلا نقلناه إلى مصحة الأمراض العقلية...». خلال اللقاء
الأول حدثني علي عن متاعبه مع أمعائه رادا إياها إلى «تناوله الكحول»،
وخلال اللقاء الثاني علمتُ أن طبيبا داخليا هو الذي أخبره من قبل بأن سبب
مرضه راجع إلى الكحول. ولنسجل بهذا الصدد أن عليا قد تبنى هذا التفسير،
تفسير الخطاب الطبي، كي يمنح لمرضه معنى موضوعيا.
وخلال
الجلسة الثالثة لاحظت أن عليا كان يبكي عندما أحدثه عن الجزائر، ولما
سألته عن السبب اتضح أن أمه كانت تحتضر وهو لا يستطيع السفر إلى الجزائر
كي يراها، لأنه كان قد أحرز على الجنسية الفرنسية ولم يجتز الخدمة
العسكرية بالجزائر.
إذا كان من
الضروري أن أقدم تفسيرا للتشنجات المعوية، فيمكن القول إن ظهورها قد
ارتبط – فيما يبدو – بمرض أم علي وباستحالة سفره لزيارتها. أما فيما
يتعلق بمسألة الهذيان، فيمكن القول إن عليا لم يكن يهذي بالمرة. يجب
الإشارة إلى أن عليا عندما كان يبكي فهو كان يتكلم في الوقت نفسه عن أمه
باللغة العربية، فهل استند الداخليون إلى هذه النقطة عندما اعتبروه
«يهذي»، علما بأنه لا يفهم اللغة العربية؟
2 -
التقنية الطبية
العصرية تقنية معيارية وموضوعية. فهي في تفسيرها للمرض تبحث دائما عن علة
عضوية ولا تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الثقافية والنفسية والدينية للمرض
والمرضى إلا نادرا.
وفيما يخص
هذه الملاحظة إليكم مثال مريضة دخلت المستشفى بسبب أوجاع حادة في الرأس
وانقطاع الطمث. لقد أظهرت حصيلة التحليلات الطبية أنه لم يكن يوجد لدى
المعنية أي خلل في الدماغ أو في دهليز الأذن ولا في الجمجمة، كما أن
تشخيص الحمل كان سلبيا، وفحص السائل الرأسي سياسي؟؟؟؟؟ كان عاديا... وقد
لاحظت أثناء مختلف اللقاءات التي أجريتها مع المريضة، باللغة العربية،
الدارجة أن أقوالها والآلام التي كانت تشكو منها كانت ترتبط برغبتها في
الإنجاب في حين كانت في الواقع امرأة عقيما بسبب وجود خلل في تشكل
المبيضين لكن أيضا لأسباب نفسية. كانت تعزو تأخرات حيضها إلى الحمل
معتقدة أن الدم المحبوس بداخلها قد تحول إلى روح بإذن الله، وأن الأمر
ربما يتعلق بجنين راقد...، وبحديثها عن العلاجات التطبيبية كانت ترجع إلى
خطابين: الأول خاص بالعلاج الطبي الغربي والآخر يهم العلاج التقليدي
المغاربي. فيما يخص العلاج الطبي، فهي تنتقد دور الطب والأطباء (رافضة
الحمية ومشككة بقدرة آلات الفحص بالأشعة على تشخيص حملها...). أما خطابها
حول العلاجات التقليدية، فينزع إلى تقدير ممارسات الطب التقليدي من تداوي
بالأعشاب وزيارة الأضرحة والأولياء.
ويُظهر
مثالٌ كهذا إلى أي حد يمكن للأبعاد الثقافية والنفسية والدينية للمرض
والمرضى أن تشكل عائقا أمام طب عال المستوى[2].
3 - عندما
تكون حصيلة نتائج التحليلات الطبية والفحوص بالأشعة سلبية، فإنه غالبا ما
يتم اللجوء إلى إلصاق سلسلة من التسميات بالمرضى، كأن يقال عنهم:
«متظاهرون بالمرض[3]، أو «عظاميون» أو «هستيريون» أو «متظاهرون
بالمنكوبين»[4]، أو «مُطالِبُون»[5]، أو «أفراد يجسدون مرضهم»، الخ.
وكمثال على
ذلك، سأذكر باختصار شديد حالة أخرى: قضى سمير مدة في المستشفى لتلقي
العلاج على إثر حادثة شغل تعرض لها. وبعد بضعة أيام أظهرت التحليلات
الطبية أنه شفي، لكنه أعلن أنه مازال يعاني. وقد زارني وقت مغادرته
المستشفى قائلا: «قال لي الدكتور فلان إنني شفيت، وإنه يتعين علي مغادرة
المستشفى (...)، لكنني، يا سيدي، أحس بأنني ما زلت مريضا، إنني عاجز عن
استئناف عملي (...). لقد تحدثوا عن Sinistrose[6]، فما هذا المرض؟
إن سميرا في
حاجة إلى الاعتراف به باعتباره تعرض لحادثة شغل. ولنيل هذا الاعتراف فهو
يواصل زياراته للأطباء. غير أن موقف الهيأة الطبية يكون في أغلب الأحيان
هو وصف أدوية أو مضاعفة التحليلات الطبية، الأمر الذي يؤدي على انغلاق
الذات داخل المرض. فالأطباء لا يأخذون بعين الاعتبار المعاناة النفسية
المترتبة عن الحادثة،والعمال الذين تعرضوا لحوادث شغل ويواصلون شكاويهم
أو يرفضون التعويض المادي الممنوح لهم، أولئك يتم إرسالهم أحيانا إلى
مستشفى الأمراض العقلية ليتلقوا «علاجا نفسيا» لم يسبق لهم أبدا أن
طالبوا به. وعندما يطرح عليهم المعالج أسئلة حول آبائهم وأطفالهم...،
فإنهم لا يجيبون إلا قليلا ما لم يجيبوا بالمرة، الأمر الذي يجعل التفسير
الممنوح لـ «مرضهم» يكون فيالغالب من نوع: «المغاربيون لا يعبرون
بالكلام»، «المغاربيون يفضلون لغة الجسد»، «لغتهم الأم فقيرة جدا»، «هم
غير قابلين للتحليل»، الخ[7]. بل ويمضي البعض إلى حد تقديم التفسير
التحليلي-النفسي الذي يرى أن حادثة الشغل تقترن بـ «عقدة الخطأ» أو
«الميل إلى البتر الذاتي».
وفي هذا
التأمل غير المعترف يمكن أن نشاهد تراجعا متواصلا للشخص: فقدان حقوق
المرض، البطالة، القطيعة مع الوسط الأصلي... ثم نلاحظ موقفا سلبيا يعبر
عن نفسه أكثر فأكثر بالجسد. يواصل المرضى المغاربيون الحديث عن آلامهم،
وجروحهم، وكسورهم... حتى عندما يؤكد لهم الطبيب بأنهم قد عولجوا كليا،
يواصلون الحقن، والصور بالأشعة، الخ. حتى عندما يتلقون تأكيدا بأن ذلك
ليس ضروريا[8]. وبذلك يصير الجسد مكان إسقاط لجميع المشاكل وسائر أصناف
المعاناة سواء كانت ذات أصل نفسي أو عضوي أو مادي[9].
لماذا
الجسد؟ لعدة أسباب. أولا لأن المجتمع المغاربي يوظف الجسد بكثرة. فخلال
عمليات التشغيل في العديد من قطاعات العمل لا يقبل إلا الأفراد أقوياء
البنية وسليمي الصحة. ثم إن هذه الأهمية الممنوحة للجسد تجد تفسيرها أيضا
في كون هذا الأخير يشكل «أداة للعمل»، «أداة» معرضة في أغلب الأحيان
للحوادث أثناء ممارسة الفرد لعمله. أخيرا، يمكن لهذه الأهمية أن تجد
تفسيرها في كون الجسد يشكل محطة للميز العنصري. ففي الطريق كما في ورشة
العمل، يُعرَف المغاربي بجسده، ببنيته الفيزيائية، وبذلك يسقط الجسد تحت
طائلة استثمار إضافي هو نظرة الآخر.
إن استخدام
الشخص المغاربي للجسد كوسيلة للتعبير يرمُزُ إلى انخراط هذا المغاربي في
الخطاب الطبي الغربي. فهو يحاول توضيع معاناة لا تسمع ولا تفهم في البلد
المستقبل عندما تصاغ داخل خطاب يمتح من اللغة الأم.
إجمالا، لقد
قادني كل من اطراد الآلام الجسدية وقوتها، وكذلك الارتباك الذي كانت
الهيأة الطبية تتلقى به التعبير عن تلك الأعراض، قادني إلى التساؤل عن
أصول ومرتكزات ذلك التوظيف الجسدي الذي كثيرا ما يُنظر إليه بسرعة على
أنه سمة ثقافية ينفرد بها الأشخاص المنحدرون من المغرب العربي. هكذا،
طرحت عددا من الأسئلة من قبيل: ما هي تمثلات الجسد لدى المغاربيين؟ ما هي
أجزاء الجسد الأكثر توظيفا لديهم. هل هناك علاقة بين استخدام بعض أجزاء
الجسد وبعض الظواهر الثقافية والدينية، الخ؟
تتألف
الساكنة المدروسة من جماعتين: الأولى تتكون من 23 شخصا غير متمدرسين،
تتراوح أعمارهم بين 40 و95 سنة، كما أنهم يقطنون جميعا في البادية. وقد
هدف تحليل خطاب هذه الفئة الأولى إلى وصف العالم الرمزي التقليدي الذي
يدعم النظام الذي يتم بداخله تمثل الجسد والمرض. وقد أظهر التحليل أن ذلك
النظام يتصف بالتماسك والانسجام. وهذا التماسك يرتكز على علاقات القرابة
المبنية بشكل دقيق من جهة، وعلى نسق من المعتقدات دقيق من جهة أخرى.
أما
المجموعة الثانية، فتتألف من 17 شابا يتوفرون جميعا على مستوى
الباكالوريا وتتراوح أعمارهم بين 20 و30 سنة، كما أنهم جميعا غادروا
الوسط القروي للحياة داخل المدينة. وقد أتاح تحليل خطابهم دراسة التحولات
التي عرفتها وتعرفها تمثلات الجسد والمرض.
لقد أسبقتُ
تحليل خطاب الفئتين المدروستين بدراسة حول الجسد كما تنطق به بنيات
القرابة وكما يتم إخراجه (mise en scène) في الطقوس التي تتخلل دورة
الحياة. وقد اتضح من تلك الدراسة أن المكانة المركزية التي تحتلها الأم
في تخليد الطقوس تشكل بالتأكيد ثقلا موازنا للبنية الأبوية الخطية
الراسخة بقوة في نظام القرابة. كما ظهر أن علاقة الطفل بأمه تمتد داخل
صلة جسدية قوية في سياق يتم فيه منع غشيان المحارم بالحدة ذاتها، الأمر
الذي يمكن تفسيره – من جهة – بنظام التسمية الذي يفرق بدقة بين الأقارب
و-من جهة أخرى – بالتشابه الموجود بين طقوس الختان وطقوس الزواج. فهذه
الطقوس تشكل بالتأكيد طقوسا لولوج وضع اعتباري جديد، أي هوية جديدة،
لكنها (الطقوس) تتيح على الخصوص الانفصال عن الأم. كما أنها تركز أيضا
قوة هذه العلاقة أم / طفل وعلى الحاجة التي يستشعرها المجتمع لإدخال
قطيعة رمزية لا تكف عن التكرار داخل هذه العلاقة.
لقد أظهر
تحليل خطاب الأشخاص المسنين أنهم يمنحون للأم مكانة مهيمنة من خلال
المعتقدات المتعلقة بجسد الأم ومنتوجاته، بالخصوص الحليب والبصر والدم.
ويظهر كل من الأهمية الممنوحة لهذه العناصر الثلاثة وخصوبة استثمارها أن
الأشخاص وتواريخهم يتعرضان للمحو لصالح التمثلات المتماسكة التي تركز
عليها خطاباتهم. ويعود ذلك إلى رسوخ التمثلات في البنيتين الأبوية
والاجتماعية اللتين لهما دلالة تقتسمها الجماعة. وبالطريقة نفسها يخضع
التعبير عن الألم لسنن تبعا لسجلات نفسية اجتماعية: «العين»، «الدم
القبيح» (حليب لغيال)، السحر، الخ.
يختلف محتوى
خطاب الشباب المتمدرس كثيرا عن محتوى نظيره لدى الأشخاص المسنين.
فالتيمات لديهم تمحى لصالح تاريخ الذوات الفردي. وتمثلات الجسد متباينة
جدا عندهم ولا تأخذ معنى إلا داخل تاريخ ذاتي. ويركز التعبير عن الألم
على عدة تمثلات، بما فيها التمثلات التقليدية التي يظل من الصعب إيجاد
تناغم بداخلها.
فيما وراء
الاختلافات بين الشباب والكهول المتعلقة بتصورات الجسد، يقدم هذا البحث
معلومات كثيرة عن التحولات المعقدة التي تصيب نمط الحياة والعلاقات
الاجتماعية والاندماج في شبكتي الزواج والقرابة والاستثمار الذاتي للجسد.
[*]
عنوان الرسالة التي تقدم بها مؤخرا الباحث المغربي المقيم بفرنسا الحسين
عكي لنيل دكتوراه جامعة لويس باستور – ستراسبورغ I (تخصص علم النفس). وقد
أحرز على الشهادة المذكورة بميزة مشرف جدا مع تهاني لجنة المناقشة التي
تشكلت من الأساتذة:
- طابوري – كيلير (أستاذة
علم النفس بجامعة لويس باستور)، مشرفة على البحث.
- م. باتريس (أستاذ طب
الأمراض العقلية بكلية الطب بستراسبورغ I)، مقررا داخليا.
- م. ل. براديل دولاتور
(أستاذة علم النفس بجامعة لويس باستور)، مقررة داخلية.
- ب. هنري (أستاذ
الإثنولوجيا بكلية العلوم الإنسانية بستراسبورغ II)، مقررا خارجيا.
- بومستلير (أستاذ علم
النفس بجامعة باريس XIII) مقررا خارجيا.
[1] مستشفيات باربوا –
Médecine j – مصلحة البروفيسور م. ديك.
[2] Akki, E.H. (1987), «Pour un
accompagnement psychologique en milieu médical», Horizon Social
(Revue du CRLEAI, Lorraine), n° IV.
[3]
تطلق هذه التسمية على المرضى الذين لا تؤكد التحليلات الطبية الآلام التي
يشكون منها. ويقال عن هذا النوع من المرضى أيضا إنهم يعظمون اضطراباتهم
[المترجم].
[4] لأن الشخص الذي يتعرض
لحادثة شغل يشفى، ومع ذلك يظن بأن له الحق في الحصول على تعويض.
[5] لكل من تعرض لحادثة
شغل ترتب عنها عواقب خطيرة، بهذا القدر أو ذاك، الحق مبدئيا في الحصول
على إيراد. في بعض الأحيان لا يرضى بعض الأشخاص بالنسبة المائوية التي
يقترحها عليهم اختصاصيو الضمان الاجتماعي، فيطالبون بمقادير أكبر. وعلى
هؤلاء تطلق تسمية «مطالبين» (revendicateurs).
[6] مرض ذو جوهر نفسي،
لكنه ينعكس على عنصر خاص من الجسد. وحاليا تعد أعراضا نفسية جسدية كل من
القرحة والربو والإكزيما وبعض السرطانات كسرطان الثدي، وسرطان الرحم.
راجع:
- Akki, E.H. (1989),
«Symptômes de conversion et psychosomatique : le retour à Freud»,
Horizon Social, n° II, Dec. 1989.
[7] Bertheler R. et al (1970), «Les
états dépressifs à expression somatique chez le Nord Africain musulman
transplanté», Congrès de psychiatrie et de neurologie de langue
française, Milan LXYIIIème session, T. 2, p. 1981.
[8] Bennani, J. 1980, Le corps
suspect, Ed. Gallilée.
[9] Akki, E.H. (1993), «Le corps comme
lieu de projection de la souffrance psychique», Horizon social,
n° 7, Juin 1993.
|